لا شك أن كمال اللذة بالبستان أن يكون الإنسان فيه، وليس من اللذة بالنهر أن يكون الإنسان فيه، بل لذته أن يكون في الجنة عند النهر، فما فمعنى قوله تعالى :﴿وَنَهَرٍ﴾ ؟ نقول : قد أجبنا عن هذا في تفسير قوله تعالى :﴿إِنَّ المتقين فِى جنات وَعُيُونٍ﴾ [ الذاريات : ١٥ ] في سورة الذاريات، وقلنا : المراد في خلال العيون، وفيما بينها من المكان وكذلك في جنات لأن الجنة هي الأشجار التي تستر شعاع الشمس، ولهذا قال تعالى :﴿فِى ظلال وَعُيُونٍ﴾ [ المرسلات : ٤١ ].
وإذا كانت الجنة هي الأشجار الساترة فالإنسان لا يكون في الأشجار وإنما يكون بينها أو خلالها، فكذلك النهر، ونزيد ههنا وجهاً آخر وهو أن المراد في جنات وعند نهر لكون المجاورة تحسن إطلاق اللفظ الذي لا يحسن إطلاقه عند عدم المجاورة كما قال :
" علفتها تبناً وماء بارداً ".. وقالوا : تقلدت سيفاً ورمحاً، والماء لا يعلف والرمح لا يتقلد ولكن لمجاورة التبن والسيف حسن الإطلاق فكذلك هنا لم يأت في الثاني بما أتى به في الأول من كلمة في.
المسألة الثانية :
وحد النهر مع جمع الجنات وجمع الأنهار وفي كثير من المواضع كما في قوله تعالى :﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [ البقرة : ٢٥ ] إلى غيره من المواضع فما الحكمة فيه ؟ نقول : أما على الجواب الأول فنقول : لما بين أن معنى في نهر في خلال فلم يكن للسامع حاجة إلى سماع الأنهار، لعلمه بأن النهر الواحد لا يكون له خلال.