وقال القرطبى :
الثانية : قوله تعالى :﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ ﴾ قراءة العامة ﴿ كُلَّ ﴾ بالنصب.
وقرأ أبو السَّمَّال "كُلُّ" بالرفع على الابتداء.
ومن نصب فبإضمار فعل وهو اختيار الكوفيين ؛ لأن إنّ تطلب الفعل فهي به أولى، والنصب أدلّ على العموم في المخلوقات لله تعالى ؛ لأنك لو حذفت ﴿ خَلَقْنَاهُ ﴾ المفسِّر وأظهرت الأوّل لصار إنا خلقنا كلّ شيء بقدر.
ولا يصح كون خلقناه صفة لشيء ؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، ولا تكون تفسيراً لما يعمل فيما قبله.
الثالثة : الذي عليه أهل السنة أن الله سبحانه قدّر الأشياء ؛ أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى وبقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالق غيره ؛ كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القدَريّة وغيرهم من أن الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا.
قال أبو ذَرٍّ رضي الله عنه :" قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ فقالوا : الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا ؛ فنزلت هذه الآيات إلى قوله :﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ فقالوا : يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال :"أنتم خصماء الله يوم القيامة" ".
الرابعة : روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :" إن مجوس هذه الأمة المكذّبون بأقدار الله إن مرِضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وإن لقيتموهم فلا تسلّموا عليهم " خرجه ابن ماجه في سننه.


الصفحة التالية
Icon