وقد أشار إلى أن الجزاء من مقتضى الحكمة قوله تعالى :﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ [ المؤمنون : ١١٥ ] وقوله :﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم ﴾ [ الحجر : ٨٥، ٨٦ ] وقوله :﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ﴾ [ الدخان : ٣٨ ٤٠ ] فترى هذه الآيات وأشباهها تُعقّب ذكر كون الخلق كله لحكمة بذكر الساعة ويوم الجزاء.
فهذا وجه تعقيب آيات الإِنذار والعقاب المذكورة في هذه السورة بالتذييل بقوله :﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ بعد قوله :﴿ أكفاركم خير من أولائكم ﴾ [ القمر : ٤٣ ] وسيقول :﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ [ القمر : ٥١ ].
فالباء في ﴿ بقدر ﴾ للملابسة، والمجرور ظرف مستقر، فهو في حكم المفعول الثاني لفعل ﴿ خلقناه ﴾ لأنه مقصود بذاته، إذ ليس المقصود الإِعلام بأن كل شيء مخلوق لله، فإن ذلك لا يحتاج إلى الإِعلام به بَلْه تأكيده بل المقصود إظهار معنى العلم والحكمة في الجزاء كما في قوله تعالى في سورة الرعد ( ٨ ) ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ ومما يستلزمه معنى القَدر أن كل شيء مخلوققٍ هو جارٍ على وفق علم الله وإرادته لأنه خالق أصول الأشياء وجاعلُ القوى فيها لتنبعث عنها آثارها ومتولَّداتُها، فهو عالم بذلك ومريد لوقوعه.
وهذا قد سمي بالقدَر في اصطلاح الشريعة كما جاء في حديث جبريل الصحيح في ذكر ما يقع به الإِيمان : وتؤمن بالقدر خيره وشره.
وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة : جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله في القدَر فنزلت:
﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ [ القمر : ٤٨، ٤٩ ].


الصفحة التالية
Icon