وانتصب ﴿ كل شيء ﴾ على المفعولية ل ﴿ خلقناه ﴾ على طريقة الاشتغال، وتقديمه على ﴿ خلقناه ﴾ ليتأكد مدلوله بذكر اسمه الظاهر ابتداء، وذكر ضميره ثانياً، وذلك هو الذي يقتضي العدول إلى الاشتغال في فصيح الكلام العربي فيحصل توكيد للمفعول بعد أن حصل تحقيق نسبة الفعل إلى فاعله بحرف ﴿ إنّ ﴾ المفيد لتوكيد الخبر وليتصل قوله :﴿ بقدر ﴾ بالعامل فيه وهو ﴿ خلقناه ﴾، لئلا يلتبس بالنعت لشيء لو قيل : إنا خلقنا كل شيء بقَدَر، فيظن أن المراد : أنا خلقنا كل شيء مُقدّر فيبقى السامع منتظراً لخبر ﴿ إن ﴾.
وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)
عطف على قوله :﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ [ القمر : ٤٩ ] فهو داخل في التذييل، أي خلقناه كل شيء بعلم، فالمقصود منه وما يصلح له معلوم لنا فإذا جاء وقته الذي أعددناه حصل دَفعة واحدة لا يسبقه اختبار ولا نظَر ولا بداء.
وسيأتي تحقيقه في آخر تفسير هذه الآية.
والغرض من هذا تحذيرهم من أن يأخذهم العذاب بغتة في الدنيا عند وجود ميقاته وسبق إيجاد أسبابه ومقوماته التي لا يتفطنون لوجودها، وفي الآخرة بحلول الموت ثم بقيام الساعة.
وعطف هذا عقب ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ [ القمر : ٤٩ ] مشعر بترتب مضمونه على مضمون المعطوف عليه في التنبيه والاستدلال حسب ما هو جارٍ في كلام البلغاء من مراعاة ترتب معاني الكلام بعضها على بعض حتى قال جماعة من أئمة اللغة : الفَراءُ وثعلبٌ والربعيُ وقطربٌ وهشامٌ وأبو عمرو الزاهد : إن العطف بالواو يفيد الترتيب، وقال ابن مالك : الأكثر إفادته الترتيب.
والأمر في قوله :﴿ وما أمرنا ﴾ يجوز أن يكون بمعنى الشأن، فيكون المراد به الشأن المناسب لسياق الكلام، وهو شأن الخلق والتكوين، أي وما شأن خلقنا الأشياء.
ويجوز أن يكون بمعنى الإِذن فيراد به أمر التكوين وهو المعبر عنه بكلمة "كن" والمآل واحد.