ثم خوف كفار مكة فقال :﴿ أكفاركم خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ ﴾ يعني : أكفاركم أقوى في النذر من الذين ذكرناهم، فأهلكهم الله تعالى، وهو قادر على إهلاكهم ﴿ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى الزبر ﴾ يعني : براءة في الكتب من العذاب.
اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر.
يعني : ليس لكم براءة، ونجاة من العذاب.
ثم قال عز وجل :﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴾ يعني : ممتنع من العذاب يقول الله تعالى :﴿ سَيُهْزَمُ الجمع ﴾ يعني : سيهزم جمع أهل مكة في الحرب ﴿ وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ يعني : ينصرفون من الحرب، منهزمين.
يعني : به : يوم بدر، وفي هذا علامة من علامات النبوة، لأن هذه الآية نزلت بمكة، وأخبرهم أنهم سيهزمون في الحرب، فكان كما قال.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن عمر رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية :﴿ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ فكنت لم أعلم ما هي، وكنت أقول : أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر، رأيت النبي ﷺ يثبت في الدرع، ويقول :"سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلَّوْنَ الدُّبَر" وقال الزجاج :"ويولون الدبر" يعني : الإدبار، كقوله تعالى :﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الادبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ [ آل عمران : ١١١ ] لأن اسم الواحد يدل على الجمع، وكذلك قوله تعالى :﴿ إِنَّ المتقين فِى جنات وَنَهَرٍ ﴾ [ القمر : ٥٤ ] أي : أنهار.
وذكر عن الفراء أنه قال : إنما وحّد لأنه رأس آية تقابل بالتوحيد رؤوس الآي.
وكذلك في الدبر، لموافقته رؤوس الآي.
ثم قال :﴿ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ ﴾ يعني : مجمعهم ﴿ والساعة أدهى وَأَمَرُّ ﴾ يعني : عذاب الساعة أعظم وأشد من عذاب الدنيا.
ثم وصف عذاب الآخرة فقال :﴿ إِنَّ المجرمين فِى ضلال وَسُعُرٍ ﴾ يعني : المشركين في الدنيا في ضلالة، وخطأ، وخلاف، وفي سعير في الآخرة.