والكلام بشارة للنبيء ﷺ وتعريض بالنِّذارة للمشركين مبني على أنهم تحدثهم نفوسهم بذلك وأنهم لا يحسبون حالهم وحال الأمم التي سيقت إليهم قصصُها متساويةً، أي نحن منتصرون على محمد ﷺ لأنه ليس رسول الله فلا يؤيده الله.
و﴿ جميع ﴾ اسم للجماعة الذين أمرهُم واحد، وليس هو بمعنى الإحاطة، ونظيره ما وقع في خبر عمر مع علي وعباس رضي الله عنهم في قضية ما تركه النبي ﷺ من أرض فَدَكَ، قال لهما :" ثم جئتماني وأمركما جميع وكلمتكما واحدة " وقول لبيد:
عَرِيت وكان بها الجميعُ فأبكروا...
منها وغودَر نْؤيُها وثُمامها
والمعنى : بل أيدَّعون أنهم يغالبون محمداً ﷺ وأصحابه وأنهم غالبونهم لأنهم جَميع لا يُغلبون.
ومنتصر : وصف ﴿ جميع ﴾، جاء بالإِفراد مراعاة للفظ ﴿ جميع ﴾ وإن كان معناه متعدداً.
وتغيير أسلوب الكلام من الخطاب إلى الغيبة مشعر بأن هذا هو ظنهم واغترارهم، وقد روي أنّ أبا جهل قال يوم بدر :"نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه".
فإذا صح ذلك كانت الآية من الإِعجاز المتعلق بالإِخبار بالغيب.
ولعل الله تعالى ألقى في نفوس المشركين هذا الغرور بأنفسهم وهذا الاستخفاف بالنبي ﷺ وأتباعه ليشغلهم عن مقاومته باليد ويقصرهم على تطاولهم عليه بالألسنة حتى تكثر أتباعه وحتى يتمكن من الهجرة والانتصار بأنصار الله.
فقوله :﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ جواب عن قولهم :﴿ نحن جميع منتصر ﴾ فلذلك لم تعطف الجملة على التي قبلها.
وهذا بشارة لرسوله ﷺ بذلك وهو يعلم أن الله منجز وعده ولا يَزيد ذلك الكافرين إلا غروراً فلا يعيروه جانب اهتمامهم وأخذ العدة لمقاومته كما قال تعالى في نحو ذلك :﴿ ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ [ الأنفال : ٤٤ ].


الصفحة التالية
Icon