أرفع من رتبة الناس خص في خطابهم بعد بيان أن ما لم يحل خبيث فقال :﴿من طيبات﴾ ولم يأت بذلك العموم الذي تألف به ﴿الناس﴾.
ولما كانوا في أول طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة :﴿ما رزقناكم﴾ وأخلصناه لكم من الشبه، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله المشركون من المحرمات، ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم صرح به في قوله آمراً أمر إيجاب :﴿واشكروا لله﴾ أي وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطاباً لأعلى طبقات الخلّص وهم الرسل.
ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال :﴿إن كنتم إياه﴾ أي وحده ﴿تعبدون﴾ فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر، فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر، وأيضاً إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر. وقال الحرالي : ولما كان هذا الخطاب منتظماً لتناول الطيب والشكر وحقيقته البذل من الطيب فشكر كل نعمة إظهارها على حدها من مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره وإنفاق فضلها والاقتناع منها بالأدنى والتجارة بفضلها لمبتغى الأجر وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي الأمانة لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ". فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة الله سبحانه وتعالى المخلف على من أنفق كما قال ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ نبهوا على عهدهم الذي لقنوه في سورة الفاتحة في قوله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فقيل لهم : كلوا واشكروا إن كنتم إياه تعبدون ؛ فمن عرف الله بالكرم هان عليه أن يتكرم ومن عرف الله بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن وهو شكره لله، من أيقن بالخلف جاد بالعطية - انتهى. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ١ صـ ٣١٤
ـ ٣١٦﴾
وقال البيضاوى :