قال الزجاج : لمّا ذكر اللهُ تعالى في هذه السورة ما يدُلُّ على وحدانيته من خَلْق الإنسان وتعليم البيان وخَلْق الشمس والقمر والسماء والأرض، خاطب الجن والإنس، قال :﴿ فبأيِّ ألاءِ ربِّكما تُكذِّبانِ ﴾ أي : فبأيِّ نِعَم ربِّكما تُكذِّبان من هذه الأشياء المذكورة، لأنها كلَّها مُنْعَم بها عليكم في دلالتها إيّاكم على وحدانيَّته وفي رزقه إيّاكم ما به قِوامكم.
وقال ابن قتيبة : الآلاء : النِّعم، واحدها : أَلاً، مثل : قفاً، وإِلاً، مثل : مِعىً.
قوله تعالى :﴿ خَلَقَ الإنسانَ ﴾ يعني آدم ﴿ مِنّ صَلْصالٍ ﴾ قد ذكرنا في [ الحجر : ٢٦ - ٢٧ ] الصَلْصال والجانَّ.
فأمّا قوله :﴿ كالفَخّار ﴾ فقال أبو عبيدة : خُلق من طينٍ يابس لم يُطْبَخ، فله صوتٌ إذا نُقِر، فهو من يُبْسِه كالفَخّار.
والفَخّار : ما طُبِخ بالنّار.
فأمّا المارِج، فقال ابن عباس : هو لسان النار الذي يكون في طرفها إِذا التهبت.
وقال مجاهد : هو المختلِط بعضُه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أُوقِدَتْ.
وقال مقاتل : هو لهب النار الصافي من غير دخان.
وقال أبو عبيدة : المارج : خَلْط من النار.
وقال ابن قتيبة : المارج : لهب النار، من قولك : قد مَرِجَ الشيءُ : إذا اضطرب ولم يستقرّ.
وقال الزجاج : هو اللَّهب المختلط بسواد النار.
فإن قيل : قد أَخبر اللهُ تعالى عن خَلْق آدم عليه السلام بألفاظ مختلفة، فتارة يقول :﴿ خَلَقه مِن تراب ﴾ [ آل عمران : ٥٩ ]، وتارة :"مِن صَلْصالٍ" وتارة :﴿ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ﴾ [ الصافات : ١١ ] وتارة ﴿ كالفَخّار ﴾ [ الرحمن : ١٤ ] وتارة :﴿ مِنْ حَمَأٍ مسنونٍ ﴾ [ الحجر : ٢٩ ] ؛ فالجواب : أن الأصل التراب فجُعل طيناً، ثم صار كالحمإِ المسنون، ثم صار صَلصالاً كالفَخّار، هذه أخبار عن حالات أصله.