وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :
في السلام وفيه وجوه أولها : يسلم به صاحب اليمين على صاحب اليمين، كما قال تعالى من قبل :﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما﴾ [ الواقعة : ٢٥، ٢٦ ]، ثانيها :﴿فسلام لَّكَ﴾ أي سلامة لك من أمر خاف قلبك منه فإنه في أعلى المراتب، وهذا كما يقال لمن تعلق قلبه بولده الغائب عنه، إذا كان يخدم عند كريم، يقول له : كن فارغاً من جانب ولدك فإنه في راحة.
ثالثها : أن هذه الجملة تفيد عظمة حالهم كما يقال : فلان ناهيك به، وحسبك أنه فلان، إشارة إلى أنه ممدوح فوق الفضل.
المسألة الثانية :
الخطاب بقوله :﴿لَكَ﴾ مع من ؟ نقول : قد ظهر بعض ذلك فنقول : يحتمل أن يكون المراد من الكلام النبي ﷺ، وحينئذ فيه وجه وهو ما ذكرنا أن ذلك تسلية لقلب النبي ﷺ فإنهم غير محتاجين إلى شيء من الشفاعة وغيرها، فسلام لك يا محمد منهم فإنهم في سلامة وعافية لا يهمك أمرهم، أو فسلام لك يا محمد منهم، وكونهم ممن يسلم على محمد ﷺ دليل العظمة، فإن العظيم لا يسلم عليه إلا عظيم، وعلى هذا ففيه لطيفة : وهي أن النبي ﷺ مكانته فوق مكانة أصحاب اليمين بالنسبة إلى المقربين الذين هم في عليين، كأصحاب الجنة بالنسبة إلى أهل عليين، فلما قال :﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أصحاب اليمين﴾ كان فيه إشارة إلى أن مكانهم غير مكان الأولين المقربين، فقال تعالى : هؤلاء وإن كانوا دون الأولين لكن لا تنفع بينهم المكانة والتسليم، بل هم يرونك ويصلون إليك وصول جليس الملك إلى الملك والغائب إلى أهله وولده، وأما المقربون فهم يلازمونك ولا يفارقونك وإن كنت أعلى مرتبة منهم.


الصفحة التالية
Icon