وقد روى قتيبة بن سعيد قال : دخلت بعض أحياء العرب، فإذا بفضاء من الأرض فيه من الإبل ما لا يحصى عدده كلُّها قد مات، فسألت عجوزاً : لمن كانت هذه الإبل؟ فأشارت إلى شيخ على تلٍّ يغزل الصوف فقلت له : يا شيخ ألك كانت هذه الإبل؟ قال : كانت باسمي، قلت : فما أصابها؟ قال : ارتجعها الذي أعطاها، قلت : فهل قلت في ذلك شيئاً؟ قال نعم، قلت :
لا والَّذي أَنَا عَبْدٌ في عِبَادَتِهِ...
والمَرْءُ في الدَّهْر نصْبَ الرُّزْءِ والحَزَنَ
ما سَرَّني أَنَّ إبْلي في مَبَارِكِها...
وما جرى في قَضَا رَبِّ الوَرَى يَكُنِ
وما بعد هذا قد ذكرناه في سورة [ النساء : ٣٧ ] والذي قيل في البخل هناك هو الذي قيل هاهنا إلى قوله :﴿ ومن يتول ﴾ أي : عن الإيمان ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ عن عباده ﴿ الحميد ﴾ إلى أوليائه.
وقد سبق معنى الاسمين في [ البقرة : ٢٦٧ ] وقرأ نافع وابن عامر :"فإن الله الغني الحميد" ليس فيها "هو" وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة، والشام.
قوله تعالى :﴿ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ﴾ أي : بالآيات والحجج ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب ﴾ ببيان الشرائع، والأحكام.
وفي "الميزان" قولان.
أحدهما : أنه العدل، قاله ابن عباس، وقتادة.
والثاني : أنه الذي يوزن به، قاله ابن زيد ومقاتل.
فعلى القول الأول : يكون المعنى : وأمرنا بالعدل.
وعلى الثاني : ووضعنا الميزان، أي : أمرنا به ﴿ ليقوم الناس بالقسط ﴾ أي : لكي يقوموا بالعدل.
قوله تعالى :﴿ وأنزلنا الحديد ﴾ فيه قولان.
أحدهما : أن الله تعالى أنزل مع آدم السندان، والكلبتين، والمطرقة، قاله ابن عباس.
والثاني : أن معنى "أنزلنا" : أنشأنا وخلقنا، كقوله تعالى :﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ [ الزمر : ٦ ].
قوله تعالى :﴿ فيه بأس شديد ﴾ قال الزجاج : وذلك أنه يُمتَنع به، ويُحارَب به ﴿ ومنافع للناس ﴾ في أدواتهم : وما ينتفعون به من آنية وغيرها.