وذلك يتضمن عطف الخبر الثاني على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجرداً عن العطف، وهذا كما تقول : زيد كريم وعالم له مال. والأحسن في هذا تناسب الأخبار، بأن تجردها كلها من العطف أو تعطفها جميعاً، فقول : زيد كريم عالم له مال، أو كريم وعالم وله مال، فتأمله ! ويرجحه أيضاً أن الكلام يصير جملاً مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء، وهم الصديقون والشهداء والصالحون، وهم المذكورون في الآية، وهم المتصدقون الذين أقرضوا الله قرضاً حسناً ؛ فهؤلاء ثلاثة أصناف، ثم ذكر الرسل في قوله تعالى :
﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ [ الحديد : ٢٥ ]، فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء فهؤلاء هم السعداء، ثم ذكر الأشقياء وهم نوعان : كفار ومنافقون، فقال :
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ ﴾ الآية، وذكر المنافقين في قوله تعالى :
﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ ﴾ [ الحديد : ١٣ ] الآية، فهؤلاء أصناف العالم كلهم. وترك سبحانه ذكر المخَلّط صاحب الشائبتين، على طريق القرآن في ذكر السعداء والأشقياء، دون المخلطين غالباً، لسّر اقتضته حكمته ؛ فليحذر صاحب التخليط، فإنه لا ضمان له على الله، فلا هو من أهل وعده المطلق، ولا ييأس من روح الله، فإنه ليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار واقف بين الوعد والوعيد، كل منهما يدعوه إلى موجبه لأنه أتى بسببه، وهذا هو الذي لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين، ولكن غلطوا في تخليده في النار، ولو نزلوه بين المنزلتين، ووكلوه إلى المشيئة لأصابوا. انتهى كلام ابن القيم، وفيه موافقة لما اختاره ابن جرير في الآية.
ولما ذكر تعالى السعداء ومآلهم، عطف بذكر الأشقياء، وبين حالهم بقوله :


الصفحة التالية
Icon