وأوّل القاشانيّ ﴿ الْبَيِّنَاتِ ﴾ بالمعارف والحكم، و ﴿ الْكِتَابُ ﴾ بالكتابة، و ﴿ الْمِيزَانَ ﴾ بالعدل، لأنه آلته، و ﴿ الْحَدِيدِ ﴾ بالسيف، لأنه مادته، قال : وهي الأمور التي بها يتم الكمال النوعي، وينضبط الكليّ المؤدي على صلاح المعاش والمعاد ؛ إذ الأصل المعتبر والمبدأ الأول، وهو العلم والحكمة. والأصل المعول عليه في النوع الاستقامة في طريق الكمال هو العدل، ثم لا ينضبط النظام ولا يتمشى صلاح الكل إلا بالسيف والقلم الذين يتم بهما أمر السياسة ؛ فالأربعة هي أركان كمال النوع، وصلاح الجمهور. ويجوز أن تكون ﴿ الْبَيِّنَاتِ ﴾ إشارة إلى المعارف والحقائق النظرية، و ﴿ الْكِتَابُ ﴾ إشارة إلى الشريعة والحكم العملية و ﴿ الْمِيزَانَ ﴾ إلى العمل بالعدل والسوية و ﴿ الْحَدِيدِ ﴾ إلى القهر ودفع شرور البرية. وقيل :﴿ الْبَيِّنَاتِ ﴾ العلوم الحقيقية، والثلاثة الباقية هي النواميس الثلاثة المشهورة المذكورة في الكتب الحكمية، أي : الشرع، والدينار المعدل للأشياء في المعاوضات، والملك. وأيّاً ما كان فهي الأمور المتضمنة للكمال الشخصيّ والنوعيّ في الدارين ؛ إذ لا يحصل كمال الشخص إلا بالعلم والعمل، ولا كمال النوع إلا بالسيف والقلم، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن الْإِنْسَاْن مدني بالطبع، محتاج إلى التعامل والتعاون، لا تمكن معيشته إلا بالاجتماع، والنفوس إما خيّرة أحرار بالطبع، منقادة للشرع، وإما شريرة عبيد بالطبع آبية للشرع ؛ فالأولى يكفيها في السلوك طريق الكمال والعمل بالعدالة واللطف وسياسة الشرع، والثانية لا بد لها من القهر وسياسة الملك. انتهى.
تنبيه :


الصفحة التالية
Icon