وقال الشيخ الشنقيطى :
﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾
قد قدمنا مراراً أن كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بلم، إذا تقدمتها همزة الاستفهام كما هنا فيه وجهان من التفسير معروفان.
الأول منهما : هو أن تقلب مضارعته ماضوية، ونفيه إثباتاً، فيكون بمعنى الماضي المثبت، لأن لم حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي، وهمزة الاستفهام إنكارية فيها معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في لم فينفيه. ونفي النفي إثبات، فيرجع المعنى إلى الماضي المثبت. وعليه فالمعنى :﴿ أَلَمْ يَأْذَنِ لِلَّذِينَ ﴾ : أي آن للذين آمنوا.
والوجه الثاني : أن الاستفهام في جميع ذلك للتقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول : بلى، وقوله : يأن : هو مضارع أنى يأنى إذا جاء إناه أي وقته، ومنه قول كعب بن مالك رضي الله عنه :
ولقد أنى لك أن تناهي طائعاً... أو تستفيق إذا نهاك المرشد
فقوله : أنى لك أن تناهى طائعاً، أي جاء الإناه الذي هو الوقت الذي تتناهى فيه طائعاً، أي حضر وقت تناهيك، ويقال في العربة : آن يئين كباع يبيع، وأنى يأني كرمى يرمي، وقد جمع اللغتين قول الشاعر :
ألماً يئن لي أن تجلى عمايتي... وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا
والمعنى على كلا القولين أنه حان للمؤمنين، وأنى لهم أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي جاء الحين والأوان لذلك، لكثرة ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه.
وقوله تعالى :﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ المصدر المنسبك من أن وصلتها في محل رفع فاعل بأن، والخشوع أصله في اللغة السكون والطمأنينية والانخفاض، ومنه قول نابغة ذبيان :
رماد ككحل العين لأياً أبينه... ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع


الصفحة التالية
Icon