قوله :﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ ﴾ : قد تقدَّم بحمدِ الله هذا وما بعده مستوفىً، واختلافُ القرَّاءِ فيه في سورةِ البقرة. وقال ابن عطية هنا :" الرفعُ على العطفِ أو القطعِ والاستئنافِ ". وقرأ عاصم " فيضاعِفَه " بالنصب بالفاء على جواب الاستفهام. وفي ذلك قَلَقٌ، قال أبو علي :" لأنَّ السؤالَ لم يقَعْ عن القَرْضِ، وإنما وقع عن فاعلِ القَرْضِ، وإنما تَنْصِبُ الفاءُ فعلاً مردوداً على فعلِ مُسْتَفْهَمٍ عنه، لكن هذه الفِرْقَةَ حَمَلَتْ ذلك على المعنى، كأنَّ قولَه ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِض ﴾ بمنزلةِ قولِه أيقرِضُ اللَّهَ أحدٌ " انتهى. وهذا الذي قالَه أبو علي ممنوعٌ، ألا ترى أنه يُنْصَبُ بعد الفاءِ في جواب الاستفهام بالأسماءِ، وإن لم يتقدَّم فعلٌ نحو :" أين بيتُك فأزورَك " ومثلُ ذلك :" مَنْ يَدْعوني فأستجيبَ له " و " متى تسير فأرافِقك " و " كيف تكونُ فأصْحَبَكَ " فالاستفهام إنما وقع عن ذاتِ الداعي وعن ظرفِ الزمان وعن الحال، لا عن الفعل. وقد حكى ابنُ كيسانُ عن العرب : أين ذَهَبَ زيدٌ فَنَتْبَعَه، ومَنْ أبوك فنُكْرِمَه.
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)
قوله :﴿ يَوْمَ تَرَى ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها : أنه معمولٌ للاستقرار العاملِ في " لهم أجرٌ "، أي : استقرَّ لهم أجرٌ في ذلك اليوم. الثاني : أنه مضمرٌ، أي : اذكرْ فيكون مفعولاً به. الثالث : أنه يُؤْجَرون يومَ ترى فهو ظرفٌ على أصلِه. الرابع : أنَّ العاملَ فيه " يَسْعى "، أي : يَسْعى نورُ المؤمنين والمؤمناتِ يومَ تراهم، هذا أصلُه. الخامس : أنَّ العاملَ فيه " فيضاعفَه " قالهما أبو البقاء.