السابقَ السابقَ قولاً وفعلاً... حذِّرْ النَّفْسَ حَسْرَةَ المسبوق
قوله جلّ ذكره :﴿ مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾.
المراد بالقرض الصدقة، وإنما ذكرها سبحانه كذلك تطييباً لقلوبهم، فكأن المتصدِّق وهو يقرض شيئاً كالذي يقطع شيئاً من ماله ليدفَعه إلى المُسْتَقْرِض.
ويقال :﴿ يُقْرِضُ ﴾ أي يفعل فعلاً حسناً، وأراد بالقرض الحسن ها هنا ما يكون من وجهٍ حلالٍ ثم عن طٍيبِ قلبٍ، وصاحبُه مخلِصٌ فيه، بلا رياء يشوبه، وبلا مَنِّ على الفقير، ولا يُكَدِّره تطويلُ الوعد ولا ينتظر عليه كثرة الأعواض.
ويقال : أن تقرضه وتقطع عن قلبك حُبَّ الدارين، ففي الخبر :" خير الصدقة ما كان عن ظهر غنًى " ومَنْ لم يتحرَّرْ من شيء فخروجُه عنه تكلُّفٌ.
قوله جلّ ذكره :﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيِهمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.
وهو نورٌ يُعْطَى للمؤمنين والمؤمنات بقَدْر أعمالهم الصاحة، ويكون لذلك النور مطارحُ شعاع يمشون فيها والنورُ يسعى بين أيديهم، ويحيط جيمع جهاتهم.
ويقال :﴿ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾ كتبهم.
﴿ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ ﴾ أي بشارتكم اليومَ - من الله جنات. وكما أن لهم في العرصة هذا النور فاليومَ لهم في قلوبهم وبواطنهم نورٌ يمشون فيه، ويهتدون به في جميع أحوالهم، قال ﷺ :" المؤمن ينظر بنور الله " وقال تعالى :﴿ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِهِّ ﴾ [ الزمر : ٢٢ ].
وربما ينبسط ذلك النورُ على مَنْ يَقْربُ منهم. وربما يقع من ذلك على القلوب قَهْراً - ولأوليائه - لا محالةَ - هذه الخصوصية.


الصفحة التالية
Icon