قوله جلّ ذكره :﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِيِنَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذَِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهُم الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾.
ألم يَحِنْ للذين آمنوا أن تتواضعَ قلوبُهم وتلين لذِكْر اللَّهِ وللقرآنِ وما فيه من العِبَر؟ وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ من قبل؟ وأراد بهم اليهودَ، وكثيرٌ من اليهود فاسقون كافرون.
وأراد بطول الأمَدِ الفترةَ التي كانت بين موسى ونبيِّنا ﷺ، وفي الخبر :" أن أصحاب رسول الله ﷺ أَصابتهم ملالةٌ فقالوا : لو حَدّثْتنا ".
فأنزل اللَّهُ تعالى :﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ﴾ [ الزمر : ٢٣ ]. فبعد مُدَّةٍ قالوا :
لو قَصَصْتَ علينا!
فأنزل اللَّهُ تعالى :﴿ نَّحْن ُنَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ﴾ [ الكهف : ١٣ ] فبعد مدةٍ قالوا : لو ذَكَّرتَنا ووَعَظْتَنا!
فأنزل الله تعالى هذه السورة.
وفي هذه الآية ما يشبه الاستبطاء.
وإن قسوة القلب تحصل من اتباع الشهوة، والشهوة والصفة لا تجتمعان ؛ فإذا حَصَلت الشهوةُ رَحَلت الصفوة. وموجِبُ القسوة هو انحرافُ القلب عن مراقبة الربِّ. ويقال : موجب القسوة أوَّلُه خَطْرة - فإلمَّ تُتَداركْ صارت فكرة، وإلمّ تُتدَاركْ صارت عزيمة، فإن لم تُتَدَاركْ جَرَت المخالفة، فإن لم تُتداركْ بالتلافي صارت قسوةً وبعدئذ تصيرطَبعاً ورَيْناً.
قوله جلّ ذكره :﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَاتَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾.
يُحْيي الأرضَ بعد موتها بإنزال المطرِ عليها وإخراج النّبتِ منها. ويُحيي القلوبَ الميتةَ - بعد إعراضِ الحقِّ عنها - بحسن إقباله عليها.


الصفحة التالية
Icon