وقال قتيبة بن سعيد : دخلت بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء من الأرض مملوء من الإبل الموتى والجيف بحيث لا أُحصي عددها، فسألت عجوزاً : لمن كانت هذه الإبل؟ فأشارت إلى شيخ على تلّ يغزل صوفاً، فقلت له : يا شيخ ألك كانت هذه الإبل؟ قال : كانت باسمي. قلت : فما أصابها؟ قال : ارتجعها الذي أعطاها. قلت : وهل قلت في ذلك شيئاً؟ قال : نعم :

لا والذي أخذ [... ] من خلائقه والمرء في الدهر نصب الرزء والمحنِ
ما سرّني أنّ إبْلي في مباركها وما جرى في قضاء الله لم يكنِ
وقال سلم الخوّاص : من أراد أن يأكل الدارين فليدخل في مذهبنا عامين ؛ ليضع الله سبحانه الدنيا والآخرة بين يديه. قيل : وما مذهبكم؟ قال : الرضا بالقضا، ومخالفة الهوى. وأنشد :
لا تطل الحزن على فائت فقلّما يجدي عليك الحزنْ
سيّان محزون على ما مضى ومظهرٌ حزناً لما لم يكنْ
﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾، قيل : هو في محل الخفض على نعت ( المختال )، وقيل : هو رفع بالابتداء وخبره ما بعده. ﴿ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد ﴾ قرأ أهل المدينة والشام بإسقاط ﴿ هُوَ ﴾ وكذلك هو في مصاحفهم. الباقون بإثباته.
﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان ﴾ يعني له يعدل. وقال ابن زيد : ما يوزن به. ﴿ لِيَقُومَ الناس بالقسط ﴾ : ليعمل الناس بينهم بالعدل ﴿ وَأَنزَلْنَا الحديد ﴾، قال ابن عباس : نزل آدم من الجنّة معه خمسة أشياء من الحديد : السندان، والكلبتان، والمنقعة، والمطرقة، والأُبرة.
وقال أهل المعاني : يعني أنه أخرج لهم الحديد من المعادن، وعلمهم صنيعته بوحيه.
وقال قطرب : هذا من النُزُل كما تقول : أنزل الأمر على فلان نزلا حسناً، فمعنى الآية أنه جعل ذلك نزلا لهم، ومثله قوله :
﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ [ الزمر : ٦ ].


الصفحة التالية
Icon