وإن جعلته مبتدأ مستقلاً مع جملته فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان سبب انغماسهم في عذاب النار ؛ لأنه وعيد عظيم جداً يستوجب أن يسأل عنه السائل فيبين بأنهم أخذوا الضلال ونبذوا الهدى واختاروا العذاب ونبذوا المغفرة، ومجيء المسند إليه حينئذٍ اسم إشارة لتفظيع حالهم ؛ لأنه يشير لهم بوصفهم السابق وهو كتمان ما أنزل الله من الكتاب.
ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى في كتمان الكتاب أن كل آية أخفوها أو أفسدوها بالتأويل فقد ارتفع مدلولها المقصود منها وإذا ارتفع مدلولها نسي العمل بها فأقدم الناس على ما حذرتهم منه، ففي كتمانهم حق رُفع وباطل وُضع.
ومعنى اشتراء العذاب بالمغفرة أنهم فعلوا ذلك الكتمان عن عمد وعلم بسوء عاقبته، فهم قد رضوا بالعذاب وإضاعة المغفرة فكأنهم استبدلوا بالمغفرة العذاب. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٢ صـ ١٢٤ ـ ١٢٥﴾
وقال أبو حيان :
وفي لفظ اشتروا إشعار بإيثارهم الضلالة والعذاب، لأن الإنسان لا يشتري إلا ما كان له فيه رغبة ومودة. واختيار وذلك يدل على نهاية الخسارة، وعدم النظر في العواقب. أ هـ ﴿البحر المحيط حـ ١ صـ ٦٦٨﴾
قوله تعالى ﴿والعذاب بالمغفرة﴾
سؤال : لم أفردت المغفرة ؟
قال ابن عرفة : وإنما أفردت المغفرة (إشارة) إلى أن مغفرة واحدة (تكفي) في رفع العذاب وإن تعدد، وهذا دليل على أن التوبة من الكفر قطعية القبول وأنّها تَجُبّ ما قبلها، قال الله تعالى :﴿قُل لِّلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ قوله تعالى :﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾. أ هـ ﴿تفسير ابن عرفة حـ ٢ صـ ٥١٢﴾
قولُهُ ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ في " ما " هذه خمسةُ أقْوالٍ :
أحدها : وهو قول سيبويه، والجُمهُور : أَنَّها نكرةُ تامَّةُ غير موصُولة، ولا موصوفةٍ، وَأَنَّ معناها التعجُّب، فإذَا قُلْتَ :" مَا أَحْسَنَ زَيْداً "، فمعناهُ : شيءٌ صَيَّرَ زَيْداً حَسَناً.


الصفحة التالية
Icon