ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله :﴿أولئك﴾ أي الذين أحلوا أنفسهم أبعد منزل ﴿حزب الشيطان﴾ أي أتباعه وجنده وجماعته وطائفته وأصحابه والمحدقون به والمتحيزون إليه لدفع ما حزبه أي نابه واشتد عليه، المبعدون المحترقون لأنهم تبعوه ولم يخافوا في مجازيته وإنفاذ ما يريد لومة لائم مع أنه كله نقائص ومعايب، وهم مطبوعون على بغضه، وتركوا من له الكمال كله، وكر وحبه مركوز في فطرهم، فلذلك كانت ترجمة هذا ونتيجته قوله :﴿ألا﴾ وأكد لظنهم الريح بما لهم في الدنيا من الكثرة وظهرو التعاضد والاستدراج بالبسط والسعة فقال :﴿إن حزب الشيطان﴾ أي الطريد المحترق ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الخاسرون﴾ أي العريقون في هذا الوصف لأنهم لم يظفروا بغير الطرد والاحتراق.
ولما بين ما أوصلهم إليه نسيان الذكر من الخسار، بين أنه أوقعهم في العداوة، فقال معللاً الخسار والنسيان والتحزب، وأكد تكذيباً لحالفهم على نفي ذلك مظهراً موضع الإضمار للتنبيه على الوصف الموقع في الهلاك :﴿إن الذين يحادون﴾ ولعل الإدغام لسترهم ذلك الإيمان، ويفهم منه الحكم على من جاهر بطريق الأولى ﴿الله﴾ أي يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفوء له فعل من ينازع آخر في أرض فيغلب على طائفة منها فيجعل لها حداً لا يتعداه خصمه ﴿ورسوله﴾ الذي عظمته من عظتمه.
ولما كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم، فيظن من رآهم أنهم الأعزاء الذين لا أحد أعز منهم، قالتعالى نفياً لهذا الغرور الظاهر :﴿أولئك﴾ أي الأباعد الاسافل ﴿في الأذلين﴾ أي الذين يعرفون أنهم أذل الخلق بحيث يوصف كل منهم بأنه الأذل مطلقاً من غير مفضل عليه ليعم كل من يمكن منه ذل، وذلك في الدنيا والآخرة سواء كانوا فارس والروم أو أعظم منهم سواء كانوا ملوكاً كفرة كانوا أو فسقة، كما قال الحسن : إن للمعصية في قلوبهم لذلاً، وإن طقطقت بهم اللجم. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٧ صـ ٥٠٣ ـ ٥٠٦﴾