ويعرف ذلك بشواهد المعاملة، وقرينة الكناية توجيه نفي وجدان الموصوف بذلك إلى القوم الذين يؤمنون بالله ورسوله ﷺ ولذلك لم يقل الله هنا ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ [ آل عمران : ٢٨ ]، لأن المودة من أحوال القلب فلا تُتَصور معها التقية، بخلاف قوله :{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلى قوله :﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ [ آل عمران : ٢٨ ].
وقولُه :﴿ ولو كانوا آباءهم ﴾ إلى آخره مبالغة في نهاية الأحوال التي قد يقدم فيها المرء على الترخص فيما نهي عنه بعلة قرب القرابة.
ثم إن الذي يُحَادُّ الله ورسوله ﷺ إن كان متجاهراً بذلك معلناً به، أو متجاهراً بسوء معاملة المسلمين لأجل إسلامهم لا لموجب عداوةٍ دنيوية، فالواجب على المسلمين إظهار عداوته قال تعالى:
﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ﴾ [ الممتحنة : ٩ ] ولم يرخَّص في معاملتهم بالحسنى إلا لاتّقاء شرّهم إن كان لهم بأس قال تعالى :﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ [ آل عمران : ٢٨ ].
وأما من عدا هذا الصنف فهو الكافر الممسك شَرّه عن المسلمين، قال تعالى :﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ﴾ [ الممتحنة : ٨ ].
ومن هذا الصنف أهل الذمة وقد بيّن شهاب الدين القرافي في الفرق التاسع عشر بعد المائة مسائل الفرق بين البرّ والمودة وبهذا تعلم أن هذه الآية ليست منسوخة بآية ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴾ [ الممتحنة : ٨ ] وأن لكل منهما حالتها.