قوله تعالى :﴿ رَّحِيمٌ يا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ ﴾، وذلك أن ناساً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأمر المسلمين، يتواصلون إليهم بذلك، فيصيبون من ثمارهم وطعامهم وشرابهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، فقال :﴿ رَّحِيمٌ يا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ ﴾ يعني : لا تتخذوا الصداقة مع قوم غضب الله عليهم، ويقال : هَذَا أَيضاً في حاطب بن أبي بلتعة.
ثم قال عز وجل :﴿ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخرة كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أصحاب القبور ﴾ ؛ قال مقاتل : وذلك أن الكافر إذا وضع في قبره، أتاه ملك شديد الانتهار، فيجلسه، ثم يسأله : من ربك، وما دينك، ومن رسولك؟ فيقول : لا أدري.
فيقول الملك : أبعدك الله، انظر يا عدو الله إلى منزلك.
فينظر إليه من النار، فيدعو بالويل والثبور، فيقول : هذا لك يا عدو الله.
فيفتح له باب إلى الجنة، فيقول : هذا لمن آمن بالله تعالى، فلو كنت آمنت بربك نزلت الجنة.
فيكون حسرة عليه، وينقطع رجاؤه منها.
وعلم أنه أبعد له فيها، ويئس من خير الجنة، فذلك قوله تعالى : للكفار أهل الدنيا الأحياء منهم ﴿ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخرة ﴾ يعني : من خير الآخرة، لأنهم كذبوا بالثواب والعقاب، وهم آيسون من الجنة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، إذا عرف منازله ؛ ويقال : إن الكفار إذا مات منهم أحد، يئسوا من رجوعه، فيقال : قد يئس هؤلاء من الآخرة، كما يئس الكفار من أصحاب القبور من رجوعهم ؛ ويقال :﴿ يَئِسُواْ مِنَ الآخرة ﴾ يعني : هؤلاء الكفار كما يئس الكفار الذين كانوا قبلهم من الآخرة ؛ وهو اليوم من أصحاب القبور ؛ والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم. أ هـ ﴿بحر العلوم حـ ٣ صـ ٤١٢ ـ ٤١٩﴾