اعلم أن قوله تعالى :﴿غَفَرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جواب قوله :﴿تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله﴾ [ الصف : ١١ ] لما أنه في معنى الأمر، كما مر فكأنه قال : آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله يغفر لكم، وقيل جوابه :﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [ الصف : ١١ ] وجزم :﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ لما أنه ترجمة :﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ومحله جزم، كقوله تعالى :﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن﴾ [ المنافقون : ١٠ ] لأن محل ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ جزم على قوله :﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي﴾ وقيل : جزم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بهل، لأنه في معنى الأمر، وقوله تعالى :﴿وَيُدْخِلْكُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ إلى آخر الآية، من جملة ما قدم بيانه في التوراة، ولا يبعد أن يقال : إن الله تعالى رغبهم في هذه الآية إلى مفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد، وهو قوله :﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وقوله تعالى :﴿ذلك الفوز العظيم﴾ يعني ذلك الجزاء الدائم هو الفوز العظيم، وقد مر، وقوله تعالى :﴿وأخرى تُحِبُّونَهَا﴾ أي تجارة أخرى في العاجل مع ثواب الآجل، قال الفراء : وخصلة أخرى تحبونها في الدنيا مع ثواب الآخرة، وقوله تعالى :﴿نَصْرٌ مّن الله﴾ هو مفسر للأخرى، لأنه يحسن أن يكون :﴿نَصْرٌ مّن الله﴾ مفسراً للتجارة إذ النصر لا يكون تجارة لنا بل هو ريح للتجارة، وقوله تعالى :﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي عاجل وهو فتح مكة، وقال الحسن : هو فتح فارس والروم، وفي ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجل، ثم في الآية مباحث :
الأول : قوله تعالى :﴿وَبَشّرِ المؤمنين﴾ عطف على ﴿تؤمنون﴾ [ الصف : ١١ ] لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل : آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك.


الصفحة التالية
Icon