وعقب بذكر تعليمهم الكتاب لأن الكتاب بعد إبلاغه إليهم تُبيّن لهم مقاصده ومعانيه كما قال تعالى :﴿ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ﴾ [ القيامة : ١٨، ١٩ ]، وقال :﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ [ النحل : ٤٤ ]، وتعليم الحكمة هو غاية ذلك كله لأن من تدبر القرآن وعمل به وفهم خفاياه نال الحكمة قال تعالى :﴿ واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ﴾ [ البقرة : ٢٣١ ] ونظيرها قوله :﴿ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ في سورة [ آل عمران : ١٦٤ ].
وجملة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } في موضع الحال من الأميين، أي ليست نعمة إرسال هذا الرسول إليهم قاصرة على رفع النقائص عنهم وعلى تحليتهم بكمال علم آيات الله وزكاة أنفسهم وتعليمهم الكتاب والحكمة بل هي أجل من ذلك إذ كانت منقذة لهم من ضلال مبين كانوا فيه وهو ضلال الإِشراك بالله.
وإنما كان ضلالاً مبيناً لأنه أفحش ضلال وقد قامت على شناعته الدلائل القاطعة، أي فأخرجهم من الضلال المبين إلى أفضل الهدى، فهؤلاء هم المسلمون الذين نفروا إسلامهم في وقت نزول هذه السورة.
و﴿ إنْ ﴾ مخففة من الثقيلة وهي مهملة عن العمل في اسمها وخبرها.
وقد سد مسدها فعل ( كان ) كما هو غالب استعمال ﴿ إنْ ﴾ المخففة.
واللام في قوله :﴿ لفي ضلال مبين ﴾ تسمى اللام الفارقة، أي التي تفيد الفرق بين ( إنْ ) النافية و ﴿ إنْ ﴾ المخففة من الثقيلة وما هي إلا اللام التي أصلها أن تقترن بخبر ( إن ) إذ الأصل : وإنهم لفي ضلال مبين، لكن ذكر اللام مع المخففة واجب غالباً لئلا تلتبس بالنافية، إلا إذا أمن اللبس.
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)