فلو حملنا المغايرة على المغايرة بالزمان أو المكان، أي مغايرين للذين بعث فيهم الرسول، وجعلنا قوله :﴿ منهم ﴾ بمعنى أنهم من الأميين، وقلنا : أريد وآخرين من العرب غير الذين كان النبي ﷺ فيهم، أي عَرباً آخرين غير أهل مكة، وهم بقية قبائل العرب ناكده ما روى البخاري ومسلم والترمذي يزيد آخِرهم على الأوَّلَيْن عن أبي هريرة قال : كنّا جلوساً عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة فتلاها فلما بلغ ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ قال له رجل : مَن هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأَل ثلاثاً، وفينا سلمان الفارسي ووضع رسول الله يده على سلمان وقال : لو كان الإِيمانُ عند الثريا لناله رجال من هؤلاء؟ وهذا وارد مورد التفسير لقوله تعالى :﴿ وآخرين ﴾.
والذي يلوح أنه تفسير بالجزئي على وجه المثال ليفيد أن ﴿ آخرين ﴾ صادق على أمم كثيرة منها أمةُ فارس، وأما شموله لقبائل العرب فهو بالأوْلى لأنهم مما شملهم لفظ الأميين.
ثم بِنَا أن ننظر إلى تأويل قوله تعالى :﴿ منهم ﴾.
فلنا أن نجعل ( مِن ) تبعيضية كما هو المتبادر من معانيها فنجعلَ الضمير المجرور بـ ( مِن ) عائداً إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ كانوا ﴾ من قوله :﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ [ الجمعة : ٢ ]، فالمعنى : وآخرين من الضَّالين يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم الكتاب والحكمة ولنا أن نجعل ( مِن ) اتصالية كالتي في قوله تعالى :﴿ لست منهم في شيء ﴾ [ الأنعام : ١٥٩ ].
والمعنى : وآخرين يتصلون بهم ويصيرون في جملتهم، ويكون قوله :﴿ منهم ﴾ موضع الحال، وهذا الوجه يناسب قوله تعالى :﴿ لما يلحقوا بهم ﴾ لأن اللحوق هو معنى الاتصال.