مَعْلُومٌ وَقَوْلُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ ﴾ أَيْ لَا أَبْرَحُ مُسَافِرًا وَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ السَّفَرِ فَلَيْسَ كَقَوْلِ أَخِي يُوسُفَ ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ﴾ ﴿ وَإِذًا لَا يَلْبَسُونَ خِلَافَك إلَّا قَلِيلًا ﴾ لَمَّا كَانَ الْمُسْتَثْنَى الزَّمَانَ الْأَوَّلَ جَازَ " لَا " وَالْمُسْتَثْنَى فِي ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلَّا أَذًى ﴾ الْفِعْلُ فَكَانَ " لَنْ " مَعَ تَحْقِيقِ النَّفْيِ فِي أَوَّلِ الْأَزْمِنَةِ وَانْظُرْ كَيْفَ وَقَعَ التَّعَادُلُ بَيْنَ " لَنْ " وَ " لَا " اشْتَرَكَا فِي نَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ وَاخْتَصَّتْ " لَا " بِنَفْيِ الْحَالِ وَالْمَاضِي وَاخْتَصَّتْ لَنْ بِقُوَّةِ النَّفْيِ مِنْ ابْتِدَاءِ الْمُسْتَقْبَلِ وَكَذَلِكَ جَاءَتْ فِي قَوْلِهِ ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قُوَّةُ نَفْيِ رُؤْيَتِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يَجِئْ فِيهَا التَّأْبِيدُ فَلَا صَرِيحَ فِي دَلَالَتِهِمَا عَلَى النَّفْيِ فِي الْآخِرَةِ وَدَلَالَةُ " لَنْ " عَلَى النَّفْيِ فِي أَوَّلِ أَزْمِنَةِ الِاسْتِقْبَالِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ " لَا " وَدَلَالَةُ " لَا " عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ " لَنْ " لِمَا فِي " لَا " مِنْ الْمَدِّ الْمُنَاسِبِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَلِذَلِكَ نَقُولُ " لَا " أَوْسَعُ " وَلَنْ " أَقْوَى وُسْعَةً لَا فِي الظَّرْفِ مِنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَيَمُدُّهُ مَا قَبْلَهُ إلَى أَوَّلِ أَزْمِنَةِ الِاسْتِقْبَالِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْحَالِ، وَفِي الْمَاضِي فَصَارَتْ لِجَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ ؛ " وَلَنْ " لَا تَصْلُحُ إلَّا لِلْمُسْتَقْبَلِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي أَوَّلِهِ، فَظَاهِرُ " لَنْ " بَاقِيَةٌ وَالْمُعَادَلَةُ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ مِنْ حِكْمَةِ
لِسَانِ الْعَرَبِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. أ هـ ﴿فتاوى السبكى حـ ١ صـ ١١٧ ـ ١١٩﴾