ولما كانت أمور النساء في المعاشرة والمفارقة من المعاسرة والمياسرة في غاية المشقة، فلا يحمل على العدل فيها والعفة إلا خوف الله، كرر تلميعاً بالحث على التقوى إشارة إلى ذلك وترغيباً في لزوم ما حده سبحانه، فقال عاطفاً على ما تقديره : فمن لم يحفظ هذه الحدود عسر الله عليه أموره :﴿ومن يتق الله﴾ أي يوجد الخوف من الملك الأعظم إيجاداً مستمراً ليجعل بينه وبين سخطه وقاية من طاعاته اجتلاباً للمأمور واجتناباً للمنهي ﴿يجعل له﴾ أي يوجد إيجاداً مستمراً باستمرار التقوى " إن الله لا يمل حتى تملوا " ﴿من أمره﴾ أي كله في النكاح وغيره ﴿يسراً﴾ أي سهولة وفرجاً وخيراً في الدارين بالدفع والنفع، وذلك أعظم من مطلق المخرج المتقدم في الآية الأولى.
ولما كان تكرير الحث على التقوى للسؤال عن سببه، استأنف قوله كالتعليل له :﴿ذلك﴾ أي الأمر المذكور من جميع هذه الأحكام العالية المراتب ﴿أمر الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الكمال كله، ونبه على علو رتبة الأمر بقوله :﴿أنزله إليكم﴾ ولما كان التقدير : فمن أباه هوى في مهاوي المهلكات إلى أسفل سافلين، عطف عليه قوله :﴿ومن يتق الله﴾ أي الذي لا أمر لأحد معه بالاجتلاب والاجتناب، ولما كان الإنسان محل العجز والنقصان، أنسه بأنه إذا وقع منه زلل فراجعه بالتقوى لطف به فيه جزاء على تقواه بالدفع والنفع فقال :﴿يكفر﴾ أي يغطي تغطية عظيمة ويستر ويغيب ويسقط ﴿عنه﴾ جميع ﴿سيئاته﴾ ليتخلى عن المبعدات فإن الحسنات يذهبن السيئات.
ولما كان الكريم لا يرضى لمن أقبل إليه بالعفو فقط قال :﴿ويعظم له أجراً﴾ بأن يبدل سيئاته حسنات ويوفيه أجرها في الدارين مضاعفاً فيتحلى بالمقربات، وهذا أعظم من مطلق اليسر المتقدم.


الصفحة التالية
Icon