ولما كان ذلك أمراً لا يكاد يحيط به الوهم، علله بقوله مهولاً له بالتأكيد والإظهار في موضع الإضمار :﴿إن الله﴾ أي المحيط بكل كمال المنزه عن كل شائبة نقص ﴿بالغ أمره﴾ أي جميع ما يريده فلا بد من نفوذه سواء حصل توكل أم لا، وسماه أمراً إشارة إلى أنه مما يستحق أن يؤمر به وإلى أنه في سرعة الكون إذا أريد لم يتخلف بوجه بل يكون كالمؤتمر الحقير للملك الجليل الكبير.
ولما كان ضرب المقادير من القادر موجباً لعدم الإخلال بشيء منها، علل ذلك بما اقتضى تحتم الوعد والتوكل فقال :﴿قد جعل الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له ولا معقب لحكمه جعلاً مطلقاً من غير تقيد بجهة ولا حيثية ﴿لكل شيء قدراً﴾ أي تقديراً لا يتعداه في مقداره وزمانه ومكانه وجميع عوارضه وأحواله وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه، فمن توكل استفاد الأجر وخفف عنه الألم، وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك، وزاد ألمه وطال غمه بشدة سعيه وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجحة، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط، جف القلم فلا يزاد في المقادير شيء ولا ينقص منها شيء، ويحكى أن رجلاً أتى عمر ـ رضى الله عنه ـ فقال : أولني مما أولاك الله فقال : أتقرأ القرآن؟ قال : لا، قال : إنا لا نولي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد حتى تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيوليه، فلما تعلم القرآن تخلف عن عمر فرآه ذات يوم فقال : يا هذا! أهجرتنا، فقال : يا أمير المؤمنين! لست ممن يهجر؟ ولكني تعلمت القرآن فأغناني الله عن عمر وعن باب عمر، قال : أي آية أغنتك؟ قال : قوله تعالى :
﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويزرقه من حيث لا يحتسب﴾ [ الطلاق : ٢ و ٣ ] انتهى.