الحجة الثانية : أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر، بدليل قوله تعالى :﴿لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ [النساء : ٧] فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية.
والقول الثاني : وهو أن لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير، واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن من ترك درهماً لا يقال : إنه ترك خيراً، كما يقال : فلان ذو مال، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير، وكذلك إذا قيل : فلان في نعمة، وفي رفاهية من العيش.
فإنما يراد به تكثير النعمة، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله، وهذا باب من المجاز مشهور وهو نفي الاسم عن الشيء لنقصه، كما قد روي من قوله :" لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد "
وقوله :" ليس بمؤمن من بات شبعاناً وجاره جائع " ونحو هذا.
الحجة الثالثة : لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك، سواء كان قليلاً، أو كثيراً، لما كان التقييد بقوله :﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ كلاماً مفيداً، لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئاً ما، قليلاً كان أو كثيراً، أما الذي يموت عرياناً ولا يبقى معه كسرة خبز، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته، فذاك في غاية الندرة، فإذا ثبت أن المراد ههنا من الخير المال الكثير، فذاك المال هل هو مقدر بمقدار معين محدود أم لا فيه قولان :