في وقت آخر وأنا لا أزيد على القول بأنه من تأثيرات النفوس ولا أكيف ذلك فالنفس الإنسانية من أعجب مخلوقات الله عز وجل وكم طوى فيه أسرار وعجائب تتحير فيها العقول ولا ينكرها إلا مجنون أو جهول ولا يسعني أن أنكر العين لكثرة الأحاديث الواردة فيها ومشاهدة آثارها على اختلاف الأعصار ولا أخص ذلك بالنفوس الخبيثة كما قيل فقد يكون من النفوس الزكية والمشهور أن الإصابة لا تكون مع كراهة الشيء وبغضه وإنما تكون مع استحسانه وإلى ذلك ذهب القشيري وكأنه يشير بذلك إلى الطعن في صحة الرواية ههنا لأن الكفار كانوا يبغضونه عليه الصلاة والسلام فلا تتأتى لهم إصابته بالعين وفيه نظر وحكم العائن على ما قال القاضي عياض أن يجتنب وينبغي للإمام حبسه ومنعه عن مخالطة الناس كفاً لضرره ما أمكن ويرزقه حينئذٍ من بيت المال هذا وقرأ نافع ليزلقونك بفتح الياء من زلقه بمعنى أزلقه وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش وعيسى ليزهقونك بالهاء بدل اللام أي ليهلكونك ﴿ لَمَّا سَمِعُواْ الذكر ﴾ أي وقت سماعهم القرآن وذلك لاشتداد بغضهم وحسدهم عند سماعه ولما كما أشرنا إليه ظرفية متعلقة بيزلقونك ومن قال إنها حرف وجوب لوجوب ذهب إلى أن جوابها محذوف لدلالة ما قبل عليه أي لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ لغاية حيرتهم في أمره عليه الصلاة والسلام ونهاية جهلهم بما في تضاعيف القرآن من عجائب الحكم وبدائع العلوم ولتنفير الناس عنه ﴿ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴾ وحيث كان مدار حكمهم الباطل ما سمعوا منه ﷺ رد ذلك ببيان علو شأنه وسطوع برهانه فقيل :
﴿ وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ ﴾


الصفحة التالية
Icon