وجاء ﴿ يكاد ﴾ بصيغة المضارع للدلالة على استمرار ذلك في المستقبل، وجاء فعل ﴿ سمعوا ﴾ ماضياً لوقوعه مع ﴿ لَمَّا ﴾ وللإِشارة إلى أنه قد حصل منهم ذلك وليس مجرد فرض.
واللام في ﴿ ليزلقونك ﴾ لام الابتداء التي تدخل كثيراً في خبر ﴿ إن ﴾ المكسورة وهي أيضاً تفرق بين ﴿ إنْ ﴾ المخففة وبين ( إنّ ) النافية.
وضمير ﴿ إنه لمجنون ﴾ عائد إلى النبي ﷺ حكاية لكلامهم بينهم، فمعاد الضمير كائن في كلام بعضهم، أو ليسَ للضمير معاد في كلامهم لأنه منصرف إلى من يتحدثون عنه في غالب مجالسهم.
والمعنى : يقولون ذلك اعتلالاً لأنفسهم إذ لم يجدوا في الذكر الذي يسمعونه مدخلاً للطعن فيه فانصرفوا إلى الطعن في صاحبه ﷺ بأنه مجنون لينتقلوا من ذلك إلى أن الكلام الجاري على لسانه لا يوثق به ليصرفوا دهماءهم عن سماعه، فلذلك أبطل الله قولهم :﴿ إنه لمجنون ﴾ بقوله :﴿ وما هو إلاّ ذكر للعالمين، ﴾ أي ما القرآن إلاّ ذكر للناس كلهم وليس بكلام المجانين، وينتقل من ذلك إلى أن الناطق به ليس من المجانين في شيء.
والذكر : التذكير بالله والجزاء هو أشرف أنواع الكلام لأن فيه صلاح الناس.
فضمير ﴿ هو ﴾ عائد إلى غير مذكور بل إلى معلوم من المقام، وقرينةُ السياق تُرجع كلَّ ضمير من ضميري الغيبة إلى معاده، كقول عباس بن مرداس:
عُدْنا ولولا نحن أحدقَ جمعُهم...
بالمسلمين وأحرَزوا ما جمَّعوا
أي لأحْرز الكفار ما جمَّعه المسلمون.
وفي قوله :﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ مع قوله في أول السورة ﴿ ما أنت بنعمة ربّك بمجنون ﴾ [ القلم : ٢ ] محسن ردّ العجز على الصدر.
وقوله :﴿ وما هو إلاّ ذكر للعالمين ﴾ إبطال لقولهم :﴿ إنه لمجنون ﴾ لأنهم قالوه في سياق تكذيبهم بالقرآن فإذا ثبت أن القرآن ذكْر بطَلَ أن يكون مبلّغه مجنوناً.