ولما تشوف السامع إلى ما كان من أمره بعد هذا الأمر العجيب قال :﴿لولا أن﴾ وعظم الإحسان بالتذكير وصيغة التفاعل فقال :﴿تداركه﴾ أي أدركه إدراكاً عظيماً كان كلاًّ من النعمة والمنة يريد أن تدرك الآخر ﴿نعمة﴾ أي عظيمة جداً ﴿من ربه﴾ أي الذي أرسله وأحسن إليه بإرساله وتهذيبه للرسالة والتوبة عليه والرحمة له ﴿لنبذ﴾ أي لولا هذه الحالة السنية التي أنعم الله عليه بها لطرح طرحاً هيناً جداً ﴿بالعراء﴾ أي الأرض القفر التي لا بناء فيها ولا نبات، البعيدة من الإنس حين طرح فيها كما حكم بذلك من الأزل ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿مذموم﴾ أي ملوم على الذنب، ولما كان التقدير : ولكنه تداركه بالنعمة فلم يكن في نبذه ملوماً، سبب عنه قوله :﴿فاجتباه﴾ أي اختاره لرسالته ﴿ربه﴾ ثم سبب عن اجتبائه قوله :﴿فجعله من الصالحين﴾ أي الذين رسخوا في رتبة الصلاح فصلحوا في أنفسهم للنبوة والرسالة وصلح بهم غيرهم، فنبذ بالعراء وهو محمود، ومن صبر أعظم من صبره كان أعظم أجراً من أجره، وأنت كذلك فأنت أشرف العاملين والعالمين.
ولما نهاه ـ ﷺ ـ عن طاعة المكذبين وحذره إدهانهم وضرب لهم الأمثال، وتوعدهم إلى أن قال :﴿ذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم﴾ وختم بقصة يونس عليه السلام للتدريب على الصبر وعدم الضعف ولو بالصغو إلى المدهن، فكان التقدير تسبيباً عما فيها من النهي : فإنهم إنما يبالغون في أذاك لتضجر فتترك ما أنت فيه، قال عاطفاً على هذا المقدر مخبراً له بما في صدورهم من الإحن عليه وفي قلوبهم من الضغائن له ليشتد حذره من إدهانهم، مؤكداً لأن من يرى إدهانهم يظن إذعانهم وينكر لمبالغتهم فيه طغيانهم :﴿وإن﴾ أي وإنه ﴿يكاد﴾ وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال :﴿الذين كفروا﴾ أي ستروا ما قدروا عليه مما جئت به من الدلائل.