إذا اجتمع عاملان على معمول واحد، فإعمال الأقرب جائز بالاتفاق وإعمال الأبعد هل يجوز أم لا ؟ ذهب الكوفيون إلى جوازه والبصريون منعوه، واحتج البصريون على قولهم : بهذه الآية، لأن قوله :﴿هَاؤُمُ﴾ ناصب، وقوله :﴿اقرؤا﴾ ناصب أيضاً، فلو كان الناصب هو الأبعد، لكان التقدير : هاؤم كتابيه، فكان يجب أن يقول : اقرأوه، ونظيره ﴿آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ [ الكهف : ٩٦ ] واعلم : أن هذه الحجة ضعيفة لأن هذه الآية دلت على أن الواقع ههنا إعمال الأقرب وذلك لا نزاع فيه إنما النزاع في أنه هل يجوز إعمال الأبعد أم لا، وليس في الآية تعرض لذلك، وأيضاً قد يحذف الضمير لأن ظهوره يغني عن التصريح به كما في قوله :﴿والذكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [ الأحزاب : ٣٥ ] فلم لا يجوز أن يكون ههنا كذلك، ثم احتج الكوفيون بأن العامل الأول متقدم في الوجود على العامل الثاني، والعامل الأول حين وجد اقتضى معمولاً لامتناع حصول العلة دون المعمول، فصيرورة المعمول معمولاً للعامل الأول متقدم على وجود العامل الثاني، والعامل الثاني إنما وجد بعد أن صار معمولاً للعامل الأول فيستحيل أن يصير أيضاً معمولاً للعامل الثاني، لامتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين، ولامتناع تعليل ما وجد قبل بما يوجد بعد، وهذه المسألة من لطائف النحو.
المسألة الثالثة :
الهاء للسكت ﴿فِى كتابيه﴾ وكذا في ﴿حِسَابِيَهْ﴾ [ الحاقة : ٢٠ ] و ﴿مالية﴾ [ الحاقة : ٢٨ ] و ﴿سلطانية﴾ [ الحاقة : ٢٩ ] وحق هذه الهاءات أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، ولما كانت هذه الهاءات مثبتة في المصحف والمثبتة في المصحف لا بد وأن تكون مثبتة في اللفظ، ولم يحسن إثباتها في اللفظ إلا عند الوقف، لا جرم استحبوا الوقف لهذا السبب.
وتجاسر بعضهم فأسقط هذه الهاءات عند الوصل، وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء بغيرها.
وقرأ جماعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف جميعاً لاتباع المصحف.


الصفحة التالية
Icon