وصف العيشة بأنها راضية فيه وجهان الأول : المعنى أنها منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل، والنسبة نسبتان نسبة بالحروف ونسبة بالصيغة والثاني : أنه جعل الرضا للعيشة مجازأ مع أنه صاحب العيشة.
المسألة الثانية :
ذكروا في حد الثواب أنه لا بد وأن يكون منفعة، ولا بد وأن تكون خالصة عن الشوائب، ولا بد وأن تتكون دائمة ولا بد وأن تكون مقرونة بالتعظيم، فالمعنى إنما يكون مرضياً به من جميع الجهات لو كان مشتملاً على هذه الصفات فقوله :﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ كلمة حاوية لمجموع هذه الشرائط التي ذكرناها.
ثم قال :﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ وهو أن من صار في ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي يعيش عيشاً مرضياً في جنة عالية، والعلو إن أريد به العلو في المكان فهو حاصل، لأن الجنة فوق السموات، فإن قيل : أليس أن منازل البعض فوق منازل الآخرين، فهؤلاء السافلون لا يكونون في الجنة العالية، قلنا : إن كون بعضها دون بعض لا يقدح في كونها عالية وفوق السموات، وإن أريد العلو في الدرجة والشرف فالأمر كذلك، وإن أريد به كون تلك الأبنية عالية مشرفة فالأمر أيضاً كذلك.
ثم قال :﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ أي ثمارها قريبة التناول يأخذها الرجل كما يريد إن أحب أن يأخذها بيده انقادت له، قائماً كان أو جالساً أو مضطجعاً.
وإن أحب أن تدنو إلى فيه دنت، والقطوف جمع قطف وهو المقطوف.
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)
والمعنى يقال لهم ذلك وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
منهم من قال قوله :﴿كُلُواْ﴾ ليس بأمر إيجاب ولا ندب، لأن الآخرة ليست دار تكليف، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون ندباً، إذا كان الغرض منه تعظيم ذلك الإنسان وإدخال السرور في قلبه.
المسألة الثانية :


الصفحة التالية
Icon