وقال ابن عاشور :
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) ﴾
معترضة بين ﴿ من أدبر وتولّى وجمع فأوعى ﴾ [ المعارج : ١٧١٨ ] وبين الاستثناء ﴿ إلاّ المصلّين ﴾ [ المعارج : ٢٢ ] الخ.
وهي تذييل لجملةِ ﴿ وجمع فأوعى ﴾ تنبيهاً على خصلةٍ تخامر نفوس البشر فتحملهم على الحرص لنيل النافع وعلى الاحتفاظ به خشية نفاده لما فيهم من خلق الهلع.
وهذا تذييل لَوْم وليس في مَساقه عُذر لمن جمَع فأوعى، ولا هو تعليل لفعله.
وموقع حرف التوكيد ما تتضمنه الجملة من التعجيب من هذه الخصلة البشرية، فالتأكيد لمجرد الاهتمام بالخبر ولفت الأنظار إليه والتعريضضِ بالحذر منه.
والمقصود من التذييل هو قوله :﴿ وإذا مسَّه الخير منوعاً ﴾ وأما قوله :﴿ إذا مسه الشر جزوعاً ﴾ فتمهيد وتتميم لحالتيه.
فالمراد بالإِنسان : جنس الإِنسان لاَ فرد معيّن كقوله تعالى :﴿ إن الإِنسان ليطْغَى أن رآه استغنى ﴾ [ العلق : ٦٧ ] وقوله :﴿ خلق الإِنسان من عَجَل ﴾ [ الأنبياء : ٣٧ ]، ونظائر ذلك كثيرة في القرآن.
وهلوع : فعول مثال مبالغة للاتصاف بالهلَع.
والهلع لفظ غامض من غوامض اللّغة قد تساءل العلماء عنه، قال "الكشاف" :"وعن أحمد بن يحيى ( هو ثعلب ) قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر : ما الهلع؟ فقلت : قد فسره الله ولا يكون تفسير أبْيَنَ من تفسيره وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس" ا ه.
فسارت كلمة ثعلب مسيراً أقنع كثيراً من اللغويين عن زيادة الضبط لمعنى الهلع.