﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾ [ نوح : ٢٦ ] وذلك ليأسه من فلاحهم، وانجر في هذا حض نبينا ـ ﷺ ـ على الصبر على قومه والتحمل منهم كما صرح به في قوله تعالى :﴿خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين﴾ [ الأعراف : ١٩٩ ] وكما قيل له قبل ﴿فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [ القلم : ٤٨ ] ﴿وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ [ هود : ١٢٠ ] انتهى.
ولما أخبر عن رسالته ومضمونها بما أعلم من أن الفساد كان غالباً عليهم، استأنف قوله بياناً لامتثاله :﴿قال﴾ أي نوح عليه السلام :﴿يا قوم﴾ فاستعطفهم بتذكيرهم أنه أحدهم يهمه ما يهمهم.
ولما كان من طبع البشر إنكار ما لم يعلم إلا من عصم الله فجعله منقاداً للإيمان بالغيب، أكد قوله :﴿إني لكم نذير﴾ أي مبالغ في النذارة ﴿مبين﴾ أي أمري بين في نفسه بحيث أنه صار من شدة وضوحه كأنه مظهر لما يتضمنه، مناد بذلك للقريب والبعيد والفطن والغبي.
ولما كان ترك ما أنذرهم بسببه من الكفر لا يغنيهم إلا أن آمنوا، وكان الإيمان مخلصاً عن عواقب الإنذار لأنه لا يصح إلا مع ترك جميع أنواع الكفر، فسر الإنذار بقوله :﴿أن اعبدوا الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له جميع الكمال، وذلك بأن تخلصوا التوجه إليه فإن غناه يمنع من أن يقبل عبادة فيه شرك وهذا هو الإيمان ﴿واتقوه﴾ أي اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية تمنعكم من عذابه بالانتهاء عن كل ما يكرهه، فلا تتحركوا حركة ولا تسكنوا سكنة إلا في طاعته، وهذا هو العمل الواقي من كل سوء.