اختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام هل رأى الجن أم لا ؟.
فالقول الأول : وهو مذهب ابن عباس أنه عليه السلام ما رآهم، قال : إن الجن كانوا يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهنة فلما بعث الله محمداً عليه السلام حرست السماء، وحيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت الشهب عليهم فرجعوا إلى إبليس وأخبروه بالقصة فقال : لا بد لهذا من سبب فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها واطلبوا السبب فوصل جمع من أولئك الطالبين إلى تهامة فرأوا رسول الله ﷺ في سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا والله هو الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهناك رجعوا إلى قومهم وقالوا يا قومنا ﴿إنا سمعنا قرآناً عجباً﴾ فأخبر الله تعالى محمداً عليه السلام عن ذلك الغيب وقال :﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ﴾ كذا وكذا، قال وفي هذا دليل على أنه عليه السلام لم ير الجن إذ لو رآهم لما أسند معرفة هذه الواقعة إلى الوحي فإن ما عرف وجوده بالمشاهدة لا يسند إثباته إلى الوحي، فإن قيل : الذين رموا بالشهب هم الشياطين والذين سمعوا القرآن هم الجن فكيف وجه الجمع ؟ قلنا : فيه وجهان الأول : أن الجن كانوا مع الشياطين فلما رمي الشياطين أخذ الجن الذين كانوا معهم في تجسس الخبر الثاني : أن الذين رموا بالشهب كانوا من الجن إلا أنه قيل لهم : شياطين كما قيل : شياطين الجن والإنس فإن الشيطان كل متمرد بعيد عن طاعة الله، واختلفوا في أن أولئك الجن الذين سمعوا القرآن من هم ؟ فروى عاصم عن ذر قال : قدم رهط زوبعة وأصحابه مكة على النبي ﷺ فسمعوا قراءة النبي ﷺ ثم انصرفوا فذلك قوله :
﴿وَإِذَا صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن﴾ [ الأحقاف : ٢٩ ] وقيل : كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وعامة جنود إبليس منهم.