النوع الأول : مما حكوه قوله تعالى :﴿فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءانَاً عَجَباً * يَهْدِى إِلَى الرشد فَئَامَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً﴾ أي قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كقوله :﴿فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [ الأحقاف : ٢٩ ]، ﴿قرآناً عجباً﴾ أي خارجاً عن حد أشكاله ونظائره، و ( عجباً ) مصدر يوضع موضع العجيب ولا شك أنه أبلغ من العجيب، ﴿يَهْدِى إِلَى الرشد﴾ أي إلى الصواب، وقيل : إلى التوحيد ﴿فآمنا به﴾ أي بالقرآن ويمكن أن يكون المراد فآمنا بالرشد الذي في القرآن وهو التوحيد ﴿وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً﴾ أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به وهذا يدل على أن أولئك الجن كانوا من المشركين.
النوع الثاني : مما ذكره الجن أنهم كما نفوا عن أنفسهم الشرك نزهوا ربهم عن الصاحبة والولد.
فقالوا :
وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
في الجد قولان : الأول : الجد في اللغة العظمة يقال : جد فلان أي عظم ومنه الحديث :" كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد فينا " أي جد قدره وعظم، لأن الصاحبة تتخذ للحاجة إليها والولد للتكثر به والاستئناس، وهذه من سمات الحدوث وهو سبحانه منزه عن كل نقص.
القول الثاني : الجد الغنى ومنه الحديث :" لا ينفع ذا الجد منك الجد " قال أبو عبيدة : أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وكذلك الحديث الآخر :" قمت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون " يعني أصحاب الغنى في الدنيا، فيكون المعنى وأنه تعالى غني عن الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد.