وقال القرطبى :
﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) ﴾
فيه خمس مسائل :
الأولى قوله تعالى :﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ﴾ أي قل يا محمد لأمتك : أَوْحَى الله إليّ على لسان جبريل ﴿ أَنَّهُ استمع ﴾ إليّ ﴿ نَفَرٌ مِّنَ الجن ﴾ وما كان عليه السلام عالماً به قبل أن أوحي إليه.
هكذا قال ابن عباس وغيره على ما يأتي.
وقرأ ابن أبي عَبْلة "أحِيَ" على الأصل ؛ يقال : أَوحَى إليه ووحَى، فقلبت الواو همزة ؛ ومنه قوله تعالى :﴿ وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ ﴾ [ المرسلات : ١١ ] وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة.
وقد أطلقه المازنيّ في المكسورة أيضاً كإشاح وإسادة و "إِعَاءِ أَخِيهِ" ونحوه.
الثانية واختلف هل رآهم النبيّ ﷺ أم لا؟ فظاهر القرآن يدل على أنه لم يرهم ؛ لقوله تعالى :﴿ استمع ﴾، وقوله تعالى :﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن ﴾.
وفي صحيح مسلم والترمذي عن ابن عباس قال : ما قرأ رسول الله ﷺ على الجنّ وما رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سُوق عُكَاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشُهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم ؛ فقالوا : ما لكم؟ قالوا : حِيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشُّهب! قالوا : ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ النفر الذين أخذوا نحو تِهامة وهو بنخلة عامدين إلى سُوق عُكَاظ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر ؛ فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء.