قال في "الكشاف" :﴿ أنه استمع ﴾ [ الجن : ١ ] بالفتح لأنه فاعل أوحي ( أي نائب الفاعل ) ﴿ وإنَّا سَمِعنا ﴾ بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد القول ثم تحمل عليهما البواقي فما كان من الوحي فُتح وما كان من قول الجن كُسر، وكُلّهن من قولهم، إلاّ الثنتين الأخريين :﴿ وأن المساجد لله ﴾ [ الجن : ١٨ ]، ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ [ الجن : ١٩ ] ومن فتح كُلهن فعطفاً على محل الجار والمجرور في ﴿ ءامنا به ﴾ [ الجن : ٢ ] كأنه قيل : صدقناه وصدقنا أنه تعالى جَدّ ربنا، وأنه كان يقول سفيهنا، وكذلك البواقي أ هـ.
والتعالي : شدة العلوّ، جعل شديد العلوّ كالمتكلف العلوّ لخروج علوّه عن غالب ما تعارفه الناس فأشبه التكلُف.
والجَدّ : بفتح الجيم العظمة والجلال، وهذا تمهيد وتوطئة لقوله :﴿ ما اتخذ صاحبة ولا ولَداً ﴾، لأن اتخاذ الصاحبة للافتقار إليها لأنسها وعونها والالتذاذ بصحبتها، وكل ذلك من آثار الاحتياج، والله تعالى الغني المطلق، وتعالِي جَدّه بغناه المطلق، والولد يرغب فيه للاستعانة والأنس به، مع ما يقتضيه من انفصاله من أجزاء والديه وكل ذلك من الافتقار والانتقاص.
وضمير ﴿ إنه ﴾ ضمير شأن وخبره جملة ﴿ تعالى جد ربنا.
وجملة ما اتخذ صاحبة ﴾ إلى آخرها بَدل اشتمال من جملة ﴿ تعالى جد ربنا.
وتأكيد الخبر بـ ( إن ) سواء كانت مكسورة أو مفتوحة لأنه مسوق إلى فريق يعتقدون خلاف ذلك من الجن.
والاقتصار في بيان تَعالِي جدِ الله على انتفاء الصاحبة عنه والولد ينبىء بأنه كان شائعاً في علم الجن ما كان يعتقده المشركون أن الملائكة بنات الله من سروات الجن وما اعتقاد المشركين إلاّ ناشىء عن تلقين الشيطان وهو من الجن، ولأن ذلك مما سمعوه من القرآن مثل قوله تعالى :{ سبحانه أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ﴾ في سورة الأنعام ( ١٠١ ).