ولما ذكر عذر المريض وبدأ به لكونه أعم ولا قدرة للمريض على دفعه، أتبعه السفر للتجارة لأنه يليه في العموم، فقال مبشراً مع كثرة أهل الإسلام باتساع الأرض لهم :﴿وآخرون﴾ أي غير المرضى ﴿يضربون﴾ أي يوقعون الضرب ﴿في الأرض﴾ أي يسافرون لأن الماشي بجد واجتهاد يضرب الأرض برجله، ثم استأنف بيان علة الضرب بقوله :﴿يبتغون﴾ أي يطلبون طلباً شديداً، وأشار إلى سعة ما عند الله بكونه فوق أمانيهم فقال :﴿من فضل الله﴾ أي بعض ما أوجده الملك الأعظم لعباده ولا حاجة به إليه بوجه من الربح في التجارة أو تعلم العلم ﴿وآخرون﴾ أي منكم أيها المسلمون ﴿يقاتلون﴾ أي يطلبون ويوقعون قتل أعداء الله، ولذلك بينه بقوله :﴿في سبيل الله﴾ أي ذلك القتل مظروف لطريق الملك الأعظم ليزول عن سلوكه المانع لقتل قطاع الطريق المعنوي والحسي، وأظهر ولم يضمر تعظيماً للجهاد ولئلا يلبس بالعود إلى المتجر، وهو ندب لنا من الله إلى رحمة العباد والنظر في أعذارهم، فمن لا يرحم لا يرحم، قال البغوي : روى إبراهيم عن ابن مسعود ـ رضى الله عنه ـ قال : أيما رجل جلب شيئاً من مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء، ثم قرأ عبد الله ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون﴾ [ المزمل : ٢٠ ] الآية.
وعن عبد الله بن عمر ـ رضى الله عنهما ـ أنه قال : ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله.
ولما كانت هذه أعذاراً أخرى مقتضية للترخيص أو أسباباً لعدم الإحصاء، رتب عليها الحكم السابق، فقال مؤكداً للقراءة بياناً لمزيد عظمتها :﴿فاقرءوا﴾ أي كل واحد منكم ﴿ما تيسر﴾ أي لكم ﴿منه﴾ أي القرآن، أضمره إعلاماً بأنه عين السابق، فصار الواجب قيام شيء من الليل على وجه التيسير، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس.


الصفحة التالية
Icon