فصل


قال الفخر :
قوله تعالى :﴿وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً﴾
روي أنه لما نزل قوله تعالى :﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [ المدثر : ٣٠ ] قال أبو جهل : لقريش ثكلتكم أمهاتكم، قال ابن أبي كبشة : إن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الجمع العظيم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم! فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش : أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين! فلما قال أبو جهل وأبو الأشد ذلك، قال المسلمون ويحكم لا تقاس الملائكة بالحدادين! فجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا يسوى بينهما، والمعنى لا تقاس الملائكة بالسجانين والحداد، السجان الذي يحبس النار، فأنزل الله تعالى :﴿وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً﴾ واعلم أنه تعالى إنما جعلهم ملائكة لوجوه أحدها : ليكونوا بخلاف جنس المعذبين، لأن الجنسية مظنة الرأفة والرحمة، ولذلك بعث الرسول المبعوث إلينا من جنسنا ليكون له رأفة ورحمة بنا وثانيها : أنهم أبعد الخلق عن معصية الله تعالى وأقواهم على الطاعات الشاقة وثالثها : أن قوتهم أعظم من قوة الجن والإنس، فإن قيل : ثبت في الأخبار، أن الملائكة مخلوقون من النور، والمخلوق من النور كيف يطيق المكث في النار ؟ قلنا : مدار القول في إثبات القيامة على كونه تعالى قادراً على كل الممكنات، فكما أنه لا استبعاد في أن يبقى الحي في مثل ذلك العذاب الشديد أبد الآباد ولا يموت، فكذا لا استبعاد في بقاء الملائكة هناك من غير ألم.
ثم قال تعالى :﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :


الصفحة التالية
Icon