ولما كان ذلك اليوم يوم انقطاع الأسباب، قال نافياً بما سال عنه بأداة الردع :﴿كلا﴾ أي لا يقال هذا فإنه لا سبيل إلى وجود معناه وهو معنى ﴿لا وزر﴾ أي ملجأ ومعتصم ولا حصن ولا التجاء واعتصام، وكون هذا من كلام الإنسان رجوعاً من طبعه إلى عقله أقعد وأدل على الهول لأنه لا يفهم أنه بعد أن سأل من عظيم الهول نظر في جملة الأمر فتحقق أن لا حيلة بوجه أصلاً، فقال معبراً بالأداة الجامعة لمجامع الردع.
ولما كان المعنى : لا مفر من الله إلا إليه، لأن ملكه محيط وقدرته شاملة، قال مترجماً عنه ذاكراً صفة الإحسان لوماً لنفسه على عدم الشكر :﴿إلى ربك﴾ أي المحسن إليك بأنواع الإحسان وحده، لا إلى شيء غيره ﴿يومئذ﴾ أي إذ كانت هذه الأشياء ﴿المستقر﴾ أي استقرار الخلق كلهم ناطقهم وصامتهم ومكان قرارهم وزمانه إلى حكمه سبحانه ومشيئته ظاهراً وباطناً لا حكم لأحد غيره بوجه من الوجوه في ظاهر ولا باطن كما هو في الدنيا.
ولما كان موضع السؤال عن علة هذا الاستقرار، قال مستأنفاً بانياً للمفعول لأن المنكىء إنما هو كشف الأسرار لا كونه من كاشف معين، وللدلالة على يسر ذلك عليه سبحانه وتعالى بأن من ندبه إلى ذلك فعله كائناً من كان :﴿ينبؤا﴾ أي يخبر تخبيراً عظيماً مستقصىً ﴿الإنسان يومئذ﴾ أي إذ كان هذا الزلزال الأكبر ﴿بما قدم﴾ أي من عمله العظيم ﴿وأخر﴾ أي في أول عمره وآخره - كناية عن الاستقصاء أو بما قدمه فآثره على غيره هل هو الشرع أو الهوى أو بما عمل في مدة عمره وبما أخر عمله لمعاجلة الموت له عنه فيخبر بما كان يعمله من أمله لو مد في أجله، أو الذي قدمه هو ما عمله بنفسه وما أخره هو ما سنه فعمل به الناس من بعده من خير أو شر - قاله ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ، وعليه مشى الغزالي في الباب الثالث من كتاب البيع من الإحياء.