ولما كان هذا غاية الفجور، وكان أهل الإنسان يحبونه إذا أقبل إليهم لا سيما إذا كان على هذه الحالة عند أغلب الناس، أخبر بما هو حقيق أن يقال له في موضع " تحية أهله " من التهديد العظيم فقال :﴿أولى لك﴾ أي أولاك الله ما تكره، ودخلت اللام للتأكيد الزائد والتخصيص، وزاد التأكيد بقوله :﴿فأولى﴾ أي ابتلاك الله بداهية عقب داهية، وأبلغ ذلك التأكيد إشارة إلى أنه يستحقه على مدى الأعصار، فقال مشيراً بأداة التراخي إلى عظيم ما ارتكب وقوة استحقاقه لهذا التأكيد :﴿ثم أولى لك﴾ أي أيها الذي قد أحل نفسه بالغفلة دون محل البهائم ﴿فأولى﴾ أي وصلت إلى هذا الهلاك بداهية تعقبها تارة متوالياً وتارة متراخياً، وبعضها أعظم من بعض، لحقك ذلك لا محالة، فإن هذا دعاء ممن بيده الأمر كله، ويجوز أن يكون المعنى : أولى لك أن تترك ما أنت عليه وتقبل على ما ينفعك، وقال ابن جرير في تفسير المدثر : إن أبا جهل لما استهزأ على جعل خزنة النار تسعة عشر أوحى الله إلى النبي ـ ﷺ ـ أن يأتيه فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له : أولى لك - إلى آخرها، فلما قال ذلك رسول الله ـ ﷺ ـ قال أبو جهل : والله لا تفعل أنت وربك شيئاً، فأخزاه الله يوم بدر - انتهى.
ويمكن تنزيل الكلمات الأربع على حالاته الأربع : الحياة ثم الموت ثم البعث ثم دخول النار، فيكون المعنى : لك المكروه الآن وفي الموت والبعث ودخول النار.
قال البغوي : وكان النبي ـ ﷺ ـ يقول :" إن لكل أمة فرعوناً، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل " وقد أفهمت الآية أن من أصلح قوتي علمه وعمله بأن صدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأقبل وأقام الصلاة فتبعتها جميع الأعمال التي هي عمادها، فنشأ عن ذلك خلق حسن وهو الوجل مع الطاعة، فهنالك يقال له : بشرى لك فبشرى ثم بشرى لك فبشرى. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٨ صـ ٢٥٣ ـ ٢٥٦﴾