القول الرابع : أن يكونا حالين من السبيل أي عرفناه السبيل، أي إما سبيلاً شاكراً، وإما سبيلاً كفوراً، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز.
واعلم أن هذه الأقوال كلها لائقة بمذهب المعتزلة.
والقول الخامس : وهو المطابق لمذهب أهل السنة، واختيار الفراء أن تكون إما هذه الآية كإما في قوله :﴿إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [ التوبة : ١٠٦ ] والتقدير : إنا هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكراً أو تارة كفورًا ويتأكد هذا التأويل بما روي أنه قرأ أبو السمال بفتح الهمزة في ﴿أَمَّا﴾، والمعنى أما شاكراً فبتوفيقنا وأما كفوراً فبخذلاننا، قالت المعتزلة : هذا التأويل باطل، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية تهديد الكفار فقال :﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سلاسل وأغلالا وَسَعِيراً﴾ [ الإنسان : ٤ ] ولو كان كفر الكافر من الله وبخلقه لما جاز منه أن يهدده عليه، ولما بطل هذا التأويل ثبت أن الحق هو التأويل الأول وهو أنه تعالى هدى جميع المكلفين سواء آمن أو كفر، وبطل بهذا قول المجبرة أنه تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان، أجاب أصحابنا بأنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يؤمن ثم كلفه بأن يؤمن فقد كلفه بأن يجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان وهذا تكليف بالجمع بين المتنافيين، فإن لم يصر هذا عذراً في سقوط التهديد والوعيد جاز أيضاً أن يخلق الكفر فيه ولا يصير ذلك عذراً في سقوط الوعيد وإذا ثبت هذا ظهر أن هذا التأويل هو الحق، وأن التأويل اللائق بقول المعتزلة : ليس بحق، وبطل به قول المعتزلة.
المسألة الثانية :
أنه تعالى ذكر نعمه على الإنسان فابتدأ بذكر النعم الدنيوية، ثم ذكر بعده النعم الدينية، ثم ذكر هذه القسمة.