والَّذى يُحقِّق هذا الموضع ويَفصل بين الرّوايتين هو قوله "فإِنَّ الدّهر هو الله" حقِيقتُه : فإِن جالبَ الحوادث هو الله لا غيره، فوضع الدّهر موضع جالب الحوادث، كما تقول : إِن أَبا حنيفة أَبو يوسف، تريد أَنَّ النهاية فى الفقه هو أَبو يوسف لا غيره، فيضع أَبا حنيفة موضع ذلك لشهرته بالتناهى فى فقهه، كما شُهِر عندهم الدهر بجَلْب الحوادث.
ومعنى الرّواية الثانية : إِنَّ الله هو الدّهر، فإِنَّ الله هو الجالب للحوادث.
لا غيره الجالب، ردّا لاعتقادهم أَنَّ الله ليس مِن جَلْبها فى شئ وأَنَّ جالبها هو الدّهر، كما لو قلت إِنَّ أَبا يوسف أَبو حنيفة كان المعنى أَنَّه النِّهاية فى الفقه لا المتقاصر.
"هو" فصل أَو مبتدأُ خبره اسم الله أَو الدّهر فى الرّوايتين.
وقال بعضهم : الدّهر الثانى فى الحديث غير الأَوّل وإِنما هو مصدر بمعنى الفاعل ومعناه أَنَّ الله هو الداهر أَى المصرِّف المدبّر المُفِيض لما يَحْدُث.
وقال الأَزهرى فى قول جَرِير :
*أَنا الدّهر يَفْنى الموتُ والدّهر خالد * فجئنى بمثل الدّهر شيئاً يطاوله*
جعل الدّهر الدّنيا والآخرة لأَنَّ الموت يَفنى بعد انقضاءَ الدّنيا.
وقال تعالى :﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ وقد يستعار الدّهر للعادة الباقية مدّة الحياة، فقيل : ما دهرى بكذا.
والدّهر أَيضاً الغَلَبة. أ هـ ﴿بصائر ذوى التمييز حـ ٢ صـ ٦٠٩ ـ ٦١١﴾