ثم بين بعد ذلك أني ما خلقته ضائعاً عاطلاً باطلاً، بل خلقته لأجل الابتلاء والامتحان، وإليه الإشارة بقوله :﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ [ الإنسان : ٢ ] وههنا موضع الخصومة العظيمة القائمة بين أهل الجبر والقدر، ثم ذكر تعالى أني أعطيته جميع ما يحتاج إليه عند الابتلاء والامتحان، وهو السمع والبصر والعقل، وإليه الإشارة بقوله :﴿فجعلناه سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [ الإنسان : ٢ ] ولما كان العقل أشرف الأمور المحتاج إليها في هذا الباب أفرده عن السمع والبصر، فقال :﴿إِنَّا هديناه السبيل﴾ [ الإنسان : ٣ ] ثم بين أن الخلق بعد هذه الأحوال صاروا قسمين : منهم شاكر، ومنهم كفور، وهذا الإنقسام باختيارهم كما هو تأويل القدرية، أو من الله على ما هو تأويل الجبرية، ثم إنه تعالى ذكر عذاب الكفار على الاختصار، ثم ذكر بعد ذلك ثواب المطيعين على الاستقصاء، وهو إلى قوله :﴿وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾ [ الإنسان : ٢٢ ] واعلم أن الاختصار في ذكر العقاب مع الإطناب في شرح الثواب يدل على أن جانب الرحمة أغلب وأقوى، فظهر مما بينا أن السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان أحوال الآخرة، ثم إنه تعالى شرع بعد ذلك في أحوال الدنيا، وقدم شرح أحوال المطيعين على شرح أحوال المتمردين.
أما المطيعون فهم الرسول وأمته، والرسول هو الرأس والرئيس، فلهذا خص الرسول بالخطاب.


الصفحة التالية
Icon