ولا خلاف في أن ﴿ أُقِّتَت ﴾ مشتقّ من الوقت كما علمت آنفاً، وأصل اشتقاق هذا الفعل المبني للمجهول أن يكون معناه : جُعِلت وقتاً، وهو أصل إسناد الفعل إلى مرفوعه، وقد يكون بمعنى : وُقِّتَ لها وقتٌ على طريقة الحذف والإِيصال.
وإذ كان ﴿ إذا ﴾ ظرفاً للمستقبل وكان تأجيل الرسل قد حصل قبل نزول هذه الآية، تعيّن تأويل ﴿ أُقِّتَت ﴾ على معنى : حَانَ وقتها، أي الوقت المعيَّن للرسل وهو الوقت الذي أخبرهم الله بأنْ يُنْذِرُوا أممهم بأنَّهُ يحلّ في المستقبل غيرِ المعين، وذلك عليه قوله :﴿ لأيّ يوم أُجّلت لِيوم الفصل ﴾ فإن التأجيل يفسر التوقيت.
وقد اختلفت أقوال المفسرين الأولين في مَحْمَل معنى هذه الآية فعن ابن عباس ﴿ أُقِّتت ﴾ : جُمعت أي ليوم القيامة قال تعالى :﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ [ المائدة : ١٠٩ ]، وعن مجاهد والنخعي ﴿ أقتت ﴾ أُجِّلَت.
قال أبو علي الفارسي : أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتاً.
قال في "الكشاف" :"والوجه أن يكونَ معنى "وقتت" بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة" أ هـ.
وهذا صريح في أنه يقال : وُقت بمعنى أُحْضر في الوقت المعيَّن، وسلمه شراح "الكشاف" وهو معنى مغفول عنه في بعض كتب اللغة أو مطوي بخفاء في بعضها.
ويجيء على القولين أن يكون قوله :﴿ لأي يوم أجّلت ﴾ استئنافاً، وتُجعَل ( أيُّ ) اسم استفهام مستعمل للتهويل كما درج عليه جمهور المفسرين الذين صرّحوا ولم يُجْمِلُوا، والذي يظهر لي أن تكون ( أيٌّ ) موصولة دالّة على التعظيم والتهويل وهو ما يعبر عنه بالدّال على معنى الكمال وتكون صفة لموصوف محذوف يدل عليه ما أضيفت إليه ( أيٌّ ) وتقديره : ليوممِ أيِّ يوممٍ، أي ليوممٍ عظيم.