ولما حكم عليهم بهذا العذاب الذي لا يطاق، ذكر حكمته فقال إنه جزاهم بذلك ﴿جزاء وفاقاً﴾ أي ذا وفاق لأعمالهم لأنهم كانوا يأخذون أموال الناس فيحرقون صدورهم عليها ويبردون بها الشراب ويصفونه ويبخرونه، فهم يحرقون الآن بعصارة غيرهم المنتنة، وكأنهم بعد الأحقاب - إن جعلت منقضية - يبدلون عذاباً غير الحميم والغساق، ثم علل عذابهم بقوله، مؤكداً تنبيهاً على أن الحساب من الوضوح بحالة يصدق به كل أحد، فلا يكاد يصدق أن أحداً يكذب به فلا يجوزه فقال :﴿إنهم كانوا﴾ أي بما هو لهم كالجبلة التي لا تقبل غير ذلك فهم يفسدون القوى العلمية بأنهم ﴿لا يرجون﴾ أي في حال من الأحوال ولو رأوا كل آية ﴿حساباً﴾ فهم لا يعملون بغير الشهوات، فوافق هذا خلودهم في النار، وعبر عن تكذيبهم بنفي الرجاء لأنه أبلغ، وذلك لأن الإنسان يطمع في الخير بأدنى احتمال.
ولما دل انتفاء رجائهم على تكذيبهم المفسد للقوة العلمية، صرح به على وجه أعم فقال :﴿وكذبوا بآياتنا﴾ أي على ما لها من العظمة الدالة أنها من عندنا ﴿كذاباً﴾ أي تكذيباً هو في غاية المبالغة بحيث لو سمعوا أكذب الكذب ما كذبوا به كما كذبوا بها، فكان تجريعهم لما لا يصح أن يشربه أحد - وإن جرع منه شيئاً مات في الحال من غير موت - لهم جزاء على تكذيبهم بالحوارق التي يجرعون بها الصادقين أنواع الحرق، وقرىء بالتخفيف للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم.
ولما كان التقدير : فكل شيء جعلنا له وزاناً، عطف عليه قوله :﴿وكل شيء﴾ أي مطلقاً من أعمالهم وغيرها أو كل ما يقع عليه الحساب ﴿أحصيناه﴾ ولما كان الإحصاء موافقاً للكتابة في الضبط، أكد فعله بها فقال :﴿كتاباً﴾ فلا جائز أن نترك شيئاً من الأشياء بغير جزاء، ويمكن تنزيل الآية على الاحتباك وهو أحسن : دل فعل الإحصاء على حذف مصدره، وإثبات مصدر " كتب " عليه أي أحصيناه إحصاء وكتبناه كتاباً، وذلك الإحصاء والكتب لعدم الظلم.


الصفحة التالية
Icon