والمعنى : يذوقون الحميم إذ يُراق على أجسادهم، والغَساق إذ يسيل على مواضع الحرق فيزيد ألمهم.
وصورة الاستثناء هنا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده في الصورة.
و﴿ جزاء ﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿ يذوقون ﴾، أي حالة كون ذلك جزاء، أي مُجازًى به، فالحال هنا مصدر مؤول بمعنى الوصف وهو أبلغ من الوصف.
والوفاق : مصدر وَافق وهو مُؤول بالوصف، أي موافقاً للعمل الذي جوزوا عليه، وهو التكذيب بالبعث وتكذيبُ القرآن كما دل عليه التعليل بعده بقوله :﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذبوا بآياتنا كذاباً ﴾ [ النبأ : ٢٧، ٢٨ ].
فإن ذلك أصل إصرارهم على الكفر، وهما أصلان : أحدهما عدميّ وهو إنكار البعث، والآخر وجوديّ وهو نسبتهم الرسول ﷺ والقرآن للكذب، فعوقبوا على الأصل العدمي بعقاب عدمي وهو حِرمانهم من البرد والشراب، وعلى الأصل الوجودي بجزاء وجودي وهو الحميم يراق على أجسادهم والغساق يمرّ على جراحهم.
إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)
موقع هذه الجملة موقع التعليل لجملة ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً إلى قوله جزاء وفاقاً ﴾ [ النبأ : ٢١ ٢٦ ]، ولذلك فصلت.
وضمير ﴿ إنهم ﴾ عائد إلى ﴿ الطاغين ﴾ [ النبأ : ٢٢ ].
وحرف ( إنّ ) للاهتمام بالخبر وليست لرد الإِنكار إذ لا يُنْكر أحد أنهم لا يرجون حساباً وأنهم مكذبون بالقرآن وشأن ( إنّ ) إذا قصد بها مجرد الاهتمام أن تكون قائمة مقام فاء التفريع مفيدة للتعليل، وتقدم ذلك عند قوله تعالى :﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ [ البقرة : ٣٢ ] وقوله :﴿ إن البقر تشابه علينا ﴾ في سورة البقرة ( ٧٠ ) فالجملة معترضة بين ما قبلها وبين جملة ﴿ فذوقوا ﴾ [ النبأ : ٣٠ ].
وقد علمت مناسبة جزائهم لجُرمهم عند قوله آنفاً :﴿ جزاء وفاقاً ﴾ [ النبأ : ٢٦ ] مما يزيد وجه التعليل وضوحاً.
وقوله :﴿ لا يرجون حساباً ﴾ نفي لرجائهم وقوع الجزاء.