وقال ابن عاشور :
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) ﴾
افتتاح الكلام بالاستفهام عن تساؤل جماعة عن نبأ عظيم، افتتاح تشويققٍ ثم تهويل لما سيذكر بعده، فهو من الفواتح البديعة لما فيها من أسلوب عزيز غير مألوف ومن تشويق بطريقة الإِجمال ثم التفصيل المحصلة لتمكن الخبر الآتي بعده في نفس السامع أكمل تمكن.
وإذ كان هذا الافتتاح مؤذناً بعظيم أمر كان مؤذناً بالتصدي لقول فصلٍ فيه، ولمّا كان في ذلك إشعار بأهم ما فيه خوضُهم يومئذ يُجعل افتتاحَ الكلام به من براعة الاستهلال.
ولفظ ﴿ عم ﴾ مركب من كلمتين هما حرف ( عن ) الجار و ( مَا ) التي هي اسم استفهام بمعنى : أيّ شيء، ويتَعلق ﴿ عم ﴾ بفعل ﴿ يتساءلون ﴾ فهذا مركب.
وأصل ترتيبه : يتسَآءلون عَنْ ما، فقدم اسم الاستفهام لأنه لا يقع إلا في صدر الكلام المستفهم به، وإذ قد كان اسم الاستفهام مقترناً بحرف الجر الذي تعدى به الفعل إلى اسم الاستفهام وكان الحرف لا ينفصل عن مجروره قُدِّما معاً فصار ﴿ عَمَّا يتساءلون ﴾.
وقد جرى الاستعمال الفصيح على أن ( ما ) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر يحذف الألف المختومة هي به تفرقةً بينها وبين ( مَا ) الموصولة.
وعلى ذلك جرى استعمال نُطقهم، فلما كتبوا المصاحف جروا على تلك التفرقة في النطق فكتبوا ( ما ) الاستفهامية بدون ألف حيثما وقعت مثل قوله تعالى :﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ [ النازعات : ٤٣ ] ﴿ فبم تبشرون ﴾ [ الحجر : ٥٤ ] ﴿ لم أذنت لهم ﴾ [ التوبة : ٤٣ ] ﴿ عم يتساءلون ﴾ ﴿ مم خلق ﴾ [ الطارق : ٥ ] فلذلك لم يقرأها أحد بإثبات الألف إلا في الشاذّ.